روسيا ادعت أنها ضامنة لأمن الشرق الأوسط وسوريا أثبتت عكس ذلك.. بقلم أوليكساندر أنتنيوك

روسيا ادعت أنها ضامنة لأمن الشرق الأوسط وسوريا أثبتت عكس ذلك.. بقلم أوليكساندر أنتنيوك
كييف/ أوكرانيا بالعربية/ على مدار ما يقرب من عشر سنوات، روج الكرملين لأطروحة بسيطة في الشرق الأوسط: روسيا هي القوة التي تأتي ولن تغادر. ودعمت هذه الأطروحة منشآت ملموسة: قاعدة حميميم الجوية، والمنشأة البحرية في طرطوس، ونظام عميلها بشار الأسد، الذي اعتمد بقاؤه على استعداد موسكو لمواصلة التدخل نيابة عنه.
كانت الفجوة بين هذه الأطروحة والواقع دائماً أكبر مما تبدو وجعل العامان الماضيان في سوريا التغاضي عن هذه الفجوة أمراً مستحيلاً.
الراعي الذي لم يظهر
عندما بدأ نظام الأسد يفقد السيطرة بسرعة على الأراضي تحت ضربات قوات المعارضة في نهاية نوفمبر 2024، لم يكن الحدث الحاسم في هذا الانهيار هزيمة عسكرية بل كان الغياب. إن روسيا، التي أبقت الأسد في السلطة لقرابة عقد من الزمان بفضل الضربات الجوية والغطاء الدبلوماسي، لم تم باي نوع من التدخل الذي أنقذه سابقاً. فقد كان جيشها وطيرانها واهتمامها السياسي مكبلا بالحرب التي شنتها هي نفسها ضد أوكرانيا — وهي حرب استمرت حتى ذلك الحين قرابة ثلاثة أعوام دون أي مؤشرات على الانتهاء.
لم يسقط الأسد لأن روسيا تعرّضت للهزيمة في سوريا؛ بل سقط لأن نموذج الرعاية الذي تتبعه موسكو كان له حدّ، وكان هذا الحد يمر عبر أوكرانيا، وليس عبر دمشق ولم يهرب إلى موسكو كقائد تم الحفاظ عليه، بل كقائد لم يعد هناك أي معنى للحفاظ عليه.
الأثر الورقي للانسحاب
إن أوضح دليل على هذا التغيير ليس خطابياً، بل هو دليل بيروقراطي. فقد منح الأسد روسيا عقد إيجار لمدة 49 عاماً لمنشأتي حميميم وطرطوس — وهو نوع من الاتفاقيات مفتوحة الأجل التي يوقعها عميل متكل مع حاميه. وقد فقد عقد الإيجار هذا فاعليته تلقائياً مع سقوط نظامه. ولم ترث السلطة السورية الجديدة أي التزام بتمديده — ولم تكن عجلة من أمرها للقيام بذلك.
تلا ذلك ما يقرب من عام ونصف من المفاوضات التي جرت، وفقاً لتصريحات دمشق نفسها، بشروطها الخاصة. وقاد المفاوضات وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني؛ وشهدت هذه الفترة لقاءين بين الرئيس الشرع وبوتين في موسكو. والنتيجة التي أُعلنت في 9 أغسطس 2026 هي مذكرة تُقرأ ليس كإتفاقية استضافة قواعد بين حليفين، بل كعملية تقليص وإنهاء للوجود.
حيث تتولى دمشق الإدارة المدنية للبنية التحتية للمنشآت — مطار حميميم والميناء التجاري في طرطوس — مدمجة إياها في الإدارة الحكومية الاعتيادية. أما المنشآت العسكرية نفسها، فمن المقرر تحويلها خلال ثلاثة أشهر إلى ما يصفه الطرفان بـ "مراكز تدريب وتأهيل مشتركة". وكان خروج المعدات والأفراد الروس من كلا المنشأتين جارياً بالفعل منذ نهاية عام 2024 — قبل وقت طويل من أن تلحق الاتفاقية الورقية بالواقع على الأرض.
ماذا تعني كلمة "مشترك" حقاً؟
يحاول المسؤولون ووسائل الإعلام الرسمية الروسية تقديم هذه النتيجة على أنها تطور للشراكة وليس انسحاباً، وتنسيق أعمق وليس خروجاً. وفي هذا الإطار جزء من الحقيقة: وفقاً للتقارير المتاحة، تتطلع موسكو إلى الاحتفاظ باستخدام جزئي للأراضي السورية كمركز لوجستي لعملياتها في إفريقيا، حيث تظل القوات الروسية والكيانات المرتبطة بها نشطة في عدة دول. لم تكن دمشق مجبرة — أو لم ترَ حاجة — لقطع العلاقات بالكامل.
لكن الترتيب اللوجستي الممنوح بقرار من حكومة ذات سيادة والخاضع للمراجعة كل ثلاثة أشهر هو أمر مختلف تماماً عن عقد إيجار مدته 49 عاماً مُوقع مع نظام عميل يعتمد بقاؤه على المؤجر. الأولي هي رعاية مدعومة بالتبعية، أما الثانية فهي خدمة تجارية يمكن للحكومة مراجعتها أو إلغاؤها.
نمط متكرر وليس مجرد حدث عابر
لا ينبغي قراءة أي من هذا بشكل معزول. فهو يندرج ضمن نمط أوسع: لقد أصبحت التزامات روسيا الخارجية رهينة للحرب التي بدأتها هي نفسها ضد أوكرانيا — وهي حرب تلتهم الأموال والمعدات والموارد السياسية التي كانت تُوجه سابقاً لبناء هذا النوع من النفوذ في مناطق أخرى. وسوريا هي مجرد الحالة التي أصبح فيها هذا التنازل واضاً للعيان: راعٍ سمح لسقوط نظام عميل لأنه راهن بكل شيء على حرب أخرى بدأها بنفسه.
بالنسبة لمنطقة قيل لها لعقود من الزمن إن روسيا هي الضامن المستعد للبقاء عندما يرحل الآخرون، فإن حقائق العامين الماضيين تثبت عكس ذلك.
لقد رحلت موسكو عندما كان البقاء يمثل أهمية قصوى، وتفاوضت من موقع ضعف، ووافقت على ترتيب ثانوي تحاول الآن تصويره على أنه إستراتيجية.
وأما حكومات المنطقة التي تدرس مدى الاعتماد على الضمانات الأمنية الروسية، فلديها الآن مثال حي وحديث وموثق جيداً للتحليل — ليس الخطاب الكرمليني حوله، بل ما حدث بالفعل في سوريا.
بقلم: أولكسندر أنتنيوك، مستشار سياسي.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
