انتصارٌ للوئام الروحي.. الأوكرانيون يُظهرون مستوىً غير مسبوق من التسامح الديني

كييف/ أوكرانيا بالعربية/ عُرضت في كييف نتائج دراسة وطنية واسعة النطاق بعنوان "تقييم الوضع الديني في أوكرانيا"، أجرتها المجموعة السوسيولوجية "ريتينغ".
وأظهرت النتائج أن الأوكرانيين ما زالوا أمةً متدينةً بعمق، لكنهم ينظرون بشكل متزايد إلى الإيمان كمسألة شخصية.
وأكد أوليكسي أنتيبوفيتش، المؤسس المشارك لمجموعة "ريتينغ"، أن الاختلافات الدينية لا تُشكل بأي حال من الأحوال عاملاً في الانقسام الاجتماعي اليوم، فقد أعرب أكثر من 60% من المواطنين عن موقف إيجابي تجاه ممثلي الديانات الأخرى، بينما سُجل أدنى مستوى من الثقة تجاه أصحاب المعتقدات السياسية الأخرى. ويعتقد غالبية المستطلَعة آراؤهم أن البلاد توفر مستوىً كافيًا من حرية الدين.

وكشفت الدراسة أن المطران إبيفاني لا يزال يتصدر قائمة الزعماء الروحيين من حيث ثقة الجمهور، فقد قيّم ما يقرب من 47% من المستطلعة آراؤهم عمله بشكل إيجابي، على الرغم من أن الكثير من المواطنين لا يعرفون الزعماء الدينيين معرفةً كافية. وهذا، بحسب الباحثين، يشير إلى أن سلطة المؤسسات الكنسية لا يُصاحبها دائمًا اعترافٌ واسعٌ بقادتها.
أما بالنسبة للانتماء المذهبي، فتبقى المجموعة الأكبر هي الأوكرانيون الذين يُعرّفون أنفسهم ببساطة بأنهم أرثوذكس دون الإشارة إلى كنيسةٍ مُحددة، إذ تبلغ نسبتهم 26%. بينما يُعرّف 22% أنفسهم بأنهم أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، و10% بأنهم أتباع الكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية (بطريركية موسكو)، و7% بأنهم أتباع الكنيسة الكاثوليكية اليونانية الأوكرانية.
وحظيت فكرة إنشاء كنيسة محلية موحدة بتأييد واسع، إذ ينظر 60% من المواطنين بإيجابية إلى ظهور الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية. وجدير بالذكر أن ما يقرب من نصف مؤيدي الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية يؤيدون أيضًا انتقال الطوائف الدينية إلى الهيكل الكنسي الجديد.
وكان رد فعل المجتمع على عملية انتقال الطوائف من الكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية إلى الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية مؤشرًا واضحًا، حيث أيد 40% من الأوكرانيين هذه التحولات، بينما عارضها 9% فقط، أما النسبة الأكبر فهي نسبة اللامبالين تجاه هذه القضية، والتي تبلغ 43%.
وأصبحت مسألة الانفصال عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية عاملًا موحدًا، حيث يؤيد 80% من الأوكرانيين قطع العلاقات تمامًا مع موسكو. علاوة على ذلك، يؤيد 70% من المستطلعة آراؤهم فرض عقوبات شخصية على قيادات الطوائف الدينية المرتبطة بالدولة المعتدية.
كما أظهرت الدراسة أن الأوكرانيين لا يعانون من اضطهاد ديني، فقد ذكر 5% فقط من المستطلعة آراؤهم أنهم واجهوا شخصيًا تمييزًا بسبب معتقداتهم الدينية، بينما تحدث 7% آخرون عن تجارب مماثلة لأقاربهم، وأفاد ما يقرب من 90% من المشاركين في الاستطلاع أنهم لم يتعرضوا لأي اضطهاد على أساس ديني.
وقد أُولي اهتمام خاص خلال العرض التقديمي لموقف الرأي العام من علاقات الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية، إذ يؤيد نحو 80% من الأوكرانيين قطع هذه العلاقات بسبب العدوان الروسي على أوكرانيا.
بالإضافة إلى ذلك، يؤيد 57% حظر الكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية بسبب علاقاتها بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ويؤيد ما يقرب من 70% فرض عقوبات على المطران أونوفري.

وفي تعليقه على نتائج الدراسة، دعا رئيس دائرة الدولة الأوكرانية للسياسة العرقية وحرية الضمير فيكتور يلينسكي إلى النظر فيها ضمن سياق أوروبي أوسع، وأشار إلى أن النتائج تؤكد مجدداً طبيعية الوضع الديني في أوكرانيا وتوافقه مع التطورات الجارية في دول وسط وشرق أوروبا.
وأضاف: "أُتيحت للكنيسة في القرن الحادي والعشرين فرصة أن تكون مجرد كنيسة، وأن يختار الفرد، المتحرر من الرقابة الاجتماعية الصارمة، موقفه بحرية تجاه المؤسسات الدينية. وإذا كان الأوكراني، على سبيل المثال، قبل 150 عاماً، لا يستطيع تجنب الكنيسة - إذ كانت تُكرّس اللحظات المحورية في حياته وتُنظّم الفضاء الاجتماعي والمعيشي للقرية الأوكرانية - فإن أمامه اليوم، يوم الأحد، خيارات لا حصر لها، ولكن في ظل هذه الظروف، يختار جزء كبير من مواطنينا الكنيسة صباح الأحد، حيث يجدون ما لا تستطيع أي مؤسسة اجتماعية أو ثقافية أخرى توفيره لهم".
ويمثل التحرر الروحي للمجتمع الأوكراني والرفض الواسع النطاق لأيديولوجية "العالم الروسي" المرحلة الأخيرة من إنهاء الاستعمار في المجال الديني للدولة.
هذا التلاحم الداخلي يجعل من أوكرانيا مثالاً فريداً للعالم الإسلامي ودول الخليج العربي، مُثبتاً أن احترام التنوع هو الركيزة الأقوى للأمن القومي والبقاء السياسي في مواجهة الصراعات العالمية.
هذا الخبر ياللغة الأوكرانية
هذا الخبر باللغة الروسية
المصدر: أوكرانيا بالعربية
