كيف تصبح البلقان نقطة خطر جديدة لأوروبا.. تحليل الحرب الهجينة الروسية في البوسنة والهرسك

خبير أمني يكشف كيف تستغل موسكو الانقسامات الداخلية في البوسنة لفتح جبهة جديدة لزعزعة استقرار الناتو والاتحاد الأوروبي، فيما تهدد "جمهورية صربسكا" بتقويض اتفاقية دايتون للسلام
كييف/ أوكرانيا بالعربية/ في الوقت الذي يركز فيه الغرب اهتمامه على الحرب الروسية ضد أوكرانيا، تشهد منطقة البلقان تصعيداً خطيراً قد يحولها إلى بؤرة توتر جديدة تهدد الأمن الأوروبي. ويحذر الخبير الأمني الدولي، ميكولا زينتسيف، في تحليل نشره موقع "أوكرينفورم"، من أن الأحداث في البوسنة والهرسك تتجاوز كونها أزمة سياسية داخلية، لتتحول إلى جبهة جديدة في الحرب الهجينة الروسية ضد أوروبا، تستهدف زعزعة استقرار حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
ويشير زينتسيف إلى أن ما يبدو كـ"تصعيد سياسي اعتيادي" في البلقان، هو في الواقع "عملية تأثير كلاسيكية" تهدف لفتح جبهة ثانية لإضعاف الغرب، مستغلة الهشاشة المستمرة لاتفاقية دايتون للسلام التي أنهت الحرب في البوسنة عام 1995.
جمهورية صربسكا: أداة موسكو لتفكيك البوسنة
يركز التحليل على الدور المحوري الذي تلعبه جمهورية صربسكا، الكيان الصربي شبه المستقل داخل البوسنة والهرسك، بقيادة رئيسها ميلوراد دوديك، الحليف المعلن للكرملين. ووفقاً للخبير، فإن دوديك، الذي يزور موسكو بانتظام، يقود حملة ممنهجة لتقويض الدولة المركزية في سراييفو، من خلال:
رفض قرارات المحكمة الدستورية: إصدار سلسلة من القرارات خلال عام 2026 تعلن عدم الاعتراف بأحكام المحكمة الدستورية للبوسنة ومقاطعة المؤسسات المركزية.
التحضير لإعادة تشكيل جيش صربي منفصل: وهي خطوة من شأنها إلغاء أحد أهم بنود اتفاقية دايتون التي تنص على جيش موحد للبوسنة.
بناء بنية تحتية للانفصال التدريجي: عبر ما يسمى بـ"الانفصال على طريقة السلامي"، أي تقطيع سيادة الدولة المركزية خطوة بخطوة بدلاً من إعلان الاستقلال الفوري.
الأدوات الروسية: من التدريب العسكري إلى الهجمات السيبرانية
يوضح زينتسيف أن موسكو لا تكتفي بالدعم السياسي والدبلوماسي، بل تنشر شبكة واسعة من أدوات الحرب الهجينة في الجمهورية الصربية، تشمل:
التدريب العسكري: إنشاء معسكرات تدريب قرب قرية رادينكا، حيث قام مدربون روس بتجهيز مجموعات راديكالية للقيام بأعمال شغب واحتجاجات عنيفة، وتم توقيف مواطنين روس في هذا السياق.
المراكز الأمنية المموهة: استخدام مركز نيش الروسي الصربي الإنساني، الذي تشتبه الخبراء الغربيون بأنه قاعدة للاستخبارات الإلكترونية وتنسيق العمليات في البوسنة.
الهجمات السيبرانية: شن هجمات إلكترونية واسعة النطاق، نسبت لمجموعتي "ميدنايت بليزارد" و"فورست بليزارد" المرتبطتين بروسيا، حيث تم تسجيل أكثر من 28 ألف هجوم على مركز سياسات الأمن في بلغراد وحده.
الحرب الإعلامية: استخدام منصات إعلامية مثل "RT Balkan" وشبكات دعاية موالية للكرملين لنشر الرواية الموالية لصربسكا والمعادية للغرب.
"السلام الصربي" وتواطؤ بلغراد
لا يقتصر التهديد على النفوذ الروسي المباشر، بل يشير التحليل إلى أن صربيا نفسها، بقيادة الرئيس ألكسندر فوتشيتش، لديها مصالح استراتيجية في دعم الانفصال الصربي في البوسنة، من خلال مشروع "السلام الصربي" الذي يراه كثير من المحللين صياغة حديثة لفكرة "صربيا الكبرى". وتستخدم بلغراد تهديد انفصال جمهورية صربسكا كورقة ضغط في مفاوضاتها مع الغرب، خاصة بشأن قضية كوسوفو.
سيناريوهات التصعيد ودور الكنيسة:
يحدد الخبير منطقة برتشكو، التي تقسم أراضي جمهورية صربسكا إلى قسمين وتخضع لرقابة دولية، كنقطة اشتعال محتملة، حيث قد تحاول القوات الصربية شق ممر عسكري للسيطرة عليها. وأي محاولة كهذه ستجر حلف الناتو، وبخاصة كرواتيا المجاورة، إلى رد فعل، مما سيحول الأزمة إلى مواجهة دولية.
ويلفت زينتسيف الانتباه أيضاً إلى دور الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، التي تستخدم نفوذها الديني مع الكنيسة الصربية لنشر خطاب "الحضارة السلافية الأرثوذكسية" المهددة من الغرب، وتوفير غطاء ديني للانفصال، واستخدام البعثات الدينية كغطاء لأنشطة استخباراتية.
خاتمة:
يحذر المحلل من أن ترك البلقان دون رقابة سيكون خطأً استراتيجياً، فالتاريخ يعلمنا أن الأزمات في هذه المنطقة نادراً ما تبقى محلية. ويطالب بتعزيز الوجود الأمني الدولي في البوسنة، وزيادة الضغط العقابي على مروّجي الانفصال، وتكثيف التعاون الاستخباراتي الأوروبي لتفكيك الشبكات الروسية. وإلا، فقد تتحول البوسنة والهرسك إلى ساحة جديدة للصراع، تفتت الجهود الغربية وتستنزف مواردها في وقت هي في أمس الحاجة إلى الوحدة لمواجهة التحدي الروسي الرئيسي في أوكرانيا.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
