تشرنوبل بعد أربعين عامًا: درس عالمي في السلامة والمسؤولية النووية..بقلم سفيرة أوكرانيا لدى سلطنة عُمان أولها سيليخ

سيليخ: الأمن النووي لا يتحقق دون سلام، والسلام لا يتحقق دون مسؤولية، والمسؤولية لا تتحقق دون حقيقة.

كييف/ أوكرانيا بالعربية/ مرّت أربعون عامًا على مواجهة البشرية لواحدة من أكبر الكوارث التي صنعها الإنسان في التاريخ - حادثة محطة تشرنوبل للطاقة النووية. شكّلت هذه المأساة نقطة تحوّل في صياغة المناهج الدولية للسلامة النووية، ومسؤولية الدولة، والشفافية في مجال التقنيات المتقدمة.

في 26 نيسان/ أبريل 1986، وقع انفجار في الوحدة الرابعة من محطة تشرنوبل للطاقة النووية، نتج عنه، وفقًا للمؤسسات العلمية الدولية، انبعاث نحو 520 مادة مشعة مختلفة في الغلاف الجوي، وغطّى التلوث مساحات شاسعة من أوروبا، حيث بلغت المساحة الإجمالية للمناطق ذات مستويات التلوث الإشعاعي المختلفة حوالي 200 ألف كيلومتر مربع.

وفي أوكرانيا وحدها، أُنشئت منطقة حظر تبلغ مساحتها حوالي 2600 كيلومتر مربع، لا تزال غير صالحة للسكن وتخضع لرقابة بيئية طويلة الأمد.

تُقاس التداعيات الاقتصادية للكارثة بمئات المليارات من الدولارات الأمريكية على المدى البعيد، وتشمل هذه التداعيات إعادة توطين أكثر من 300 ألف شخص، وفقدان الأراضي الزراعية، وبرامج طبية واسعة النطاق للمراقبة مدى الحياة، وتكاليف إزالة الآثار، وتدهور البنية التحتية على المدى الطويل، والذي لا يزال يُلقي بظلاله على ميزانيات الدول حتى اليوم.

شارك نحو 600 ألف عامل إغاثة في أعمال الطوارئ والإنقاذ. عملوا في ظروف كان فيها كل قرار مسألة حياة أو موت، وبفضل تضحياتهم، لم تتفاقم الكارثة أكثر.

لم تكن تشرنوبيل مجرد مأساة من صنع الإنسان، بل أصبحت أيضًا أزمة حوكمة، وأظهرت الاستجابة الأولية، التي اتسمت بالتقصير والتأخر في التواصل، حقيقة أساسية: في الحوادث النووية، يُعد الوقت والحقيقة من الموارد الحيوية التي لا تقل أهمية عن التكنولوجيا. إن فقدان الشفافية يُضاعف العواقب دائمًا.

وبعد كارثة تشرنوبيل، شهد نظام السلامة النووية العالمي تحولاً جذرياً، فقد تم تعزيز المعايير الدولية، وتوسيع آليات تبادل المعلومات، وتوطيد دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأصبح مبدأ الشفافية شرطاً أساسياً للطاقة النووية. لكن التاريخ أثبت أن حتى أفضل الأنظمة ليست بمنأى عن المخاطر إذا ما وجدت نفسها في خضم نزاع أو حرب.

اليوم، يواجه العالم مجدداً واقعاً كان يُعتبر مستحيلاً بعد عام 1986، فقد أصبحت أكبر محطة طاقة نووية في أوروبا - محطة زابوريجيا النووية بست وحدات طاقة - تحت الاحتلال العسكري والنفوذ القتالي، ولأول مرة في تاريخ الطاقة النووية، أصبح مرفق نووي صناعي بهذا الحجم عنصراً من عناصر النزاع المسلح.

وقد سجلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراراً وتكراراً مخاطر جسيمة: انتهاكات للأمن المادي للمنشأة، ومحدودية وصول الأفراد، والضغط على الإجراءات التشغيلية، وهشاشة أنظمة إمداد الطاقة الخارجية.

في الوقت نفسه، بات الشرق الأوسط أحد أهم المناطق لتطوير الطاقة النووية. تدير الإمارات العربية المتحدة محطة براكة للطاقة النووية، وهي أول محطة طاقة نووية في العالم العربي، وتمتلك إيران محطة بوشهر للطاقة النووية، التي تُعد جزءًا من بنيتها التحتية النووية طويلة الأمد، وتقوم تركيا ببناء محطة أكويو للطاقة النووية، التي ستصبح بعد تشغيلها واحدة من أكبر منشآت الطاقة في المنطقة، وتنفذ مصر مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، بينما تُطور المملكة العربية السعودية برنامجًا نوويًا مدنيًا كجزء من تحول استراتيجي في قطاع الطاقة.

تشير هذه العمليات إلى تغيير جذري في هيكل الطاقة العالمي، حيث أصبحت الطاقة النووية عنصرًا أساسيًا في استراتيجيات التنمية الوطني، ولكن في الوقت نفسه، يتزايد مستوى المسؤولية، لا سيما على الصعيد السياسي والمؤسسي والأمني.

في منطقة تتداخل فيها التوترات الجيوسياسية غالبًا مع البنية التحتية الحيوية، تكتسب دروس تشرنوبيل أهمية خاصة. لا يمكن للطاقة النووية أن توجد بمعزل عن إطار الثقة والشفافية وضمانات الأمن الدولي، وفي هذا السياق، يمكن للدول التي تلعب تقليديًا دور الوسيط والمُثبِّت، بما فيها سلطنة عُمان، أن تُصبح مشاركين فاعلين في صياغة ثقافة جديدة للمسؤولية النووية.

لا يمكن للطاقة النووية أن توجد بمعزل عن إطار الثقة والشفافية وضمانات الأمن الدولي. إن كارثة تشيرنوبيل ومحطة زابوريجيا النووية ليستا حدثين منفصلين في التاريخ، بل هما بمثابة جرس إنذار واحد، فقد أظهرت الأولى أن الصمت وفقدان الثقة قد يكلفان أمن القارات ثمناً باهظاً، أما الثانية، فتثبت أن المخاطر لا تزول إذا ما أصبحت السيطرة على المنشآت النووية جزءاً من الصراعات.

في رأيي، تشرنوبيل ليست صفحة مطوية، بل هي تذكير دائم.

ولا يزال فحواها الرئيسي اليوم كما هو: الأمن النووي لا يتحقق دون سلام، والسلام لا يتحقق دون مسؤولية، والمسؤولية لا تتحقق دون حقيقة.

المصدر: أوكرانيا بالعربية

مشاركة هذا المنشور:
أخبار مشابهة
سياسة
زيلينسكي وغروسي يبحثان وضع محطة زابوريجيا النووية
زيلينسكي: أوكرانيا على دراية بمساعي روسيا لإضفاء الطابع الرسمي والشرعي على وجودها في محطة زابوريجيا النووية
سياسة
رئيس أوكرانيا يلتقي رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية
زيلينسكي ورينو-باسّو يبحثان تعزيز المساعدات الدولية لإعادة بناء نظام العزل الآمن حول الوحدة الرابعة من محطة تشرنوبيل للطاقة النووية
سياسة
الرئيس الأوكراني: أبرمنا ثلاث وثائق أمنية كبرى مع السعودية وقطر والامارات
زيلينسكي: أوكرانيا مستعدة لمشاركة قدراتها الدفاعية لمكافحة المسيرات الايرانية مع الولايات المتحدة أيضاً
سياسة
زيلينسكي وبن سلمان يُبرمان اتفاقية الأمن الاستراتيجي بين أوكرانيا والسعودية
زيلينسكي: أوكرانيا على استعداد لمشاركة خبراتها وإنجازاتها من أجل تعاون مثمر مع المملكة العربية السعودية
الأخبار الرئيسية
آراء ومقالات
تشرنوبيل: المسؤولية والمحن وشهادة الإيمان.. الإدارة الدينية لمسلمي القرم
الإدارة الدينية لمسلمي القرم: يذكرنا الإسلام بأن المحن ليست مجرد صعوبات، بل هي فرص لإعادة التفكير، والعودة إلى الحق، وتصحيح الأخطاء
دبلوماسية
أوكرانيا تسعى لانشاء منصة حوار بالجمعية البرلمانية الأوروبية لحركة تحرير الشيشان
أوكرانيا تسعى لانشاء منصة حوار بالجمعية البرلمانية الأوروبية لحركة تحرير الشيشان
آراء ومقالات
تشرنوبل بعد أربعين عامًا: درس عالمي في السلامة والمسؤولية النووية..بقلم سفيرة أوكرانيا لدى سلطنة عُمان أولها سيليخ
سيليخ: الأمن النووي لا يتحقق دون سلام، والسلام لا يتحقق دون مسؤولية، والمسؤولية لا تتحقق دون حقيقة.
أخبار أخرى في هذا الباب
آراء ومقالات
تشرنوبيل: المسؤولية والمحن وشهادة الإيمان.. الإدارة الدينية لمسلمي القرم
الإدارة الدينية لمسلمي القرم: يذكرنا الإسلام بأن المحن ليست مجرد صعوبات، بل هي فرص لإعادة التفكير، والعودة إلى الحق، وتصحيح الأخطاء
آراء ومقالات
أوكرانيا من متلقٍ للمساعدات العسكرية إلى مُصدرٍ للأمن…بقلم د. محمد فرج الله
أوكرانيا تُدمج في سوق الدفاع الأوروبي
آراء ومقالات
النظام العالمي في لحظة الحقيقة.. بقلم سفيرة أوكرانيا لدى سلطنة عُمان
المسؤولية تحدد المستقبل
اختيار القراء
دبلوماسية
أوكرانيا تسعى لانشاء منصة حوار بالجمعية البرلمانية الأوروبية لحركة تحرير الشيشان
أوكرانيا تسعى لانشاء منصة حوار بالجمعية البرلمانية الأوروبية لحركة تحرير الشيشان
آراء ومقالات
تشرنوبل بعد أربعين عامًا: درس عالمي في السلامة والمسؤولية النووية..بقلم سفيرة أوكرانيا لدى سلطنة عُمان أولها سيليخ
سيليخ: الأمن النووي لا يتحقق دون سلام، والسلام لا يتحقق دون مسؤولية، والمسؤولية لا تتحقق دون حقيقة.
سياسة
زيلينسكي وغروسي يبحثان وضع محطة زابوريجيا النووية
زيلينسكي: أوكرانيا على دراية بمساعي روسيا لإضفاء الطابع الرسمي والشرعي على وجودها في محطة زابوريجيا النووية
آراء ومقالات
تشرنوبيل: المسؤولية والمحن وشهادة الإيمان.. الإدارة الدينية لمسلمي القرم
الإدارة الدينية لمسلمي القرم: يذكرنا الإسلام بأن المحن ليست مجرد صعوبات، بل هي فرص لإعادة التفكير، والعودة إلى الحق، وتصحيح الأخطاء
تابعونا عبر فيسبوك
تابعونا عبر تويتر
© Ukraine in Arabic, 2018. All Rights Reserved.