حبوب مسروقة، عقوبات، ونكران جميل: ما الذي يقف وراء الفضيحة الجديدة بين أوكرانيا وإسرائيل؟

من نكران الجميل إلى تقنين النهب الروسي كيف كشفت شحنة قمح عن أزمة استراتيجية في العلاقات بين أوكرانيا وإسرائيل؟
كييف/ أوكرانيا بالعربية / اندلع صراع دبلوماسي جديد بين أوكرانيا وإسرائيل، هذه المرة ليس على خلفية أسلحة أو دعم سياسي، بل بسبب شحنات من القمح والشعير. تتهم كييف الموانئ الإسرائيلية باستقبال حبوب أوكرانية مسروقة من الأراضي المحتلة من قبل روسيا، وتعتبر ذلك "تقنيناً للنهب الروسي". في المقابل، تتحدث القدس عن "نكران الجميل"، وتطالب بأدلة رسمية.
ولكن ما الذي يقف وراء هذه الفضيحة؟ هل هي مجرد خلاف تجاري، أم أن هناك مصالح جيوسياسية أعمق؟
:ماذا حدث؟ تفاصيل فضيحة الحبوب
وصلت سفينة "بانورميتيس" إلى ميناء حيفا محملة بأكثر من 6 آلاف طن من القمح وأكثر من 19 ألف طن من الشعير. بحسب الجانب الأوكراني، فإن هذه الحبوب تم تصديرها بشكل غير قانوني من الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتاً (مناطق في دونيتسك وزاباروجيا وخيرسون). وتؤكد كييف أن مصدر الشحنة تم تحديده، وأن مخطط إعادة الشحن "بين السفن" في البحر الأسود معروف جيداً.
رد فعل كييف كان سريعاً وحازماً: استدعت وزارة الخارجية الأوكرانية السفير الإسرائيلي وسلمته مذكرة احتجاج، مشيرةً إلى أن تجاهل الطلبات الأوكرانية باحتجاز مثل هذه السفن يُسهم في تقنين الحبوب المسروقة وتمويل الحرب الروسية. وأعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن أوكرانيا تُعد بالفعل حزمة عقوبات ضد الأفراد والشركات المتورطة في هذه المخططات.
:الموقف الإسرائيلي: نكران جميل وأدلة مفقودة
رد فعل إسرائيل كان مختلفاً تماماً. صرّح وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، بأن القدس ترفض "دبلوماسية تويتر" وتتوقع من أوكرانيا تقديم أدلة رسمية عبر القنوات الدبلوماسية. وأكد أنه بدون أدلة موثقة بشكل صحيح، لا يمكن أن تُتخذ الاتهامات أساساً لاتخاذ أي إجراء.
لكن كييف تصر على أنها أرسلت تحذيرات رسمية بشكل متكرر، وتنشر تسلسلاً زمنياً للشكاوى.
وتصاعدت الأزمة بتصريح رئيسة لجنة العمل والضمان الاجتماعي في الكنيست الإسرائيلي، التي اتهمت كييف بـ"نكران الجميل". واستذكرت المساعدة التي قدمتها إسرائيل لأوكرانيا في بداية الغزو الشامل بمستشفيات ميدانية، خوذات، أنظمة إنذار مبكر، وغيرها من أشكال الدعم الإنساني واعتبرت أن التهديدات بفرض عقوبات إسرائيلية "خيانة للشراكة".
لماذا لم تكن فضيحة الحبوب مفاجأة؟
يرى المحللون أن هذه الفضيحة ليست حادثة معزولة، بل هي مظهر من مظاهر أزمة أعمق في العلاقات الأوكرانية-الإسرائيلية. فمنذ بداية الغزو الشامل، اتخذت إسرائيل موقفاً مختلفاً عن معظم الدول الغربية:
لم تنضم إسرائيل إلى العقوبات المفروضة على روسيا، واستمرت في علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع موسكو.
لم تقدم الحكومة الإسرائيلية مساعدات عسكرية مباشرة لأوكرانيا (الدعم كان إنسانياً بشكل أساسي، أو عبر أطراف ثالثة مثل الولايات المتحدة).
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حافظ على علاقات شخصية مع فلاديمير بوتين لسنوات طويلة، وأولى أولوية للعلاقات مع روسيا على حساب العلاقات مع كييف.
يقول الباحث السياسي فولوديمير فيسينكو لمجلة "فوكس": "إسرائيل، على عكس معظم الدول الغربية، لم تنضم إلى العقوبات المفروضة على روسيا. لم تقدم حكومة نتنياهو عملياً أي مساعدة عسكرية أو مالية مباشرة لأوكرانيا. نعم، كان هناك دعم إنساني، لكن الحديث بعد ذلك عن 'نكران الجميل' من أوكرانيا غير صحيح".
هل هناك أبعاد جيوسياسية أعمق؟
يرى بعض المحللين أن فضيحة الحبوب قد تكون أكثر من مجرد صفقة تجارية. عالم السياسة بيترو أوليشوك يعتقد أن شراء الحبوب من الأراضي المحتلة قد يكون "جزءاً من خطة إدارة ترامب الشاملة لرفع العقوبات عن روسيا بشفافية".
ويضيف: "إذا رأى الجميع أنه بالإمكان شراء الحبوب الخاضعة للعقوبات دون أي عواقب، فإن نظام العقوبات نفسه سيبدأ بالانهيار".
كما يشير أوليشوك إلى أن إسرائيل تعيد ترتيب أولوياتها: العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا أكثر أهمية بالنسبة لنتنياهو من العلاقات مع أوكرانيا. وهذا ليس جديداً، فقد سبق أن رفضت إسرائيل طلب زيلينسكي زيارة القدس بعد هجوم حماس عام 2023.
في المقابل، تعيد أوكرانيا تشكيل تحالفاتها هي الأخرى، وتقوي علاقاتها مع تركيا وسوريا وأذربيجان – دول تربطها علاقات متوترة مع إسرائيل.
أين دور الاتحاد الأوروبي؟
في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات بين كييف والقدس، أبدى الاتحاد الأوروبي اهتماماً بالوضع. وأعلنت بروكسل أنها تدرس إمكانية فرض عقوبات على أفراد وكيانات قانونية إسرائيلية إذا ثبت تورطهم في استقبال سفن روسية محملة بمنتجات زراعية أوكرانية مسروقة.
ويؤكد الاتحاد الأوروبي أن أي إجراءات تُسهم في الالتفاف على العقوبات وتمويل الحرب الروسية قد تُصبح أساساً لفرض قيود حتى على دول ثالثة.
ويرى الخبراء أن رد فعل الاتحاد الأوروبي قد يكون أكثر تأثيراً من أي عقوبات أوكرانية، لأن أوروبا شريك تجاري رئيسي لإسرائيل.
ماذا ينتظر العلاقات الأوكرانية-الإسرائيلية؟
لا يتوقع المحللون أزمة دبلوماسية واسعة النطاق بين كييف والقدس. يصف فيسينكو الوضع بأنه "نزاع محلي حول وضع محدد، وليس تدميراً شاملاً للعلاقات". ويضيف: "لا تتوقعوا أي كارثة. في الوقت الراهن، لا يصب هذا في مصلحة أوكرانيا ولا إسرائيل".
أما بالنسبة لاستراتيجية كييف المقبلة، فيرى الخبراء أن الضغط القانوني (بدء إجراءات قانونية وتحقيقات رسمية مع شركات وسفن محددة)، والدعم الدولي (خاصة من الاتحاد الأوروبي)، والتعاون مع المجتمع الإسرائيلي (لحث الرأي العام داخل إسرائيل على الضغط على حكومتها) قد تكون أكثر فعالية من المواجهة الدبلوماسية العلنية.
:خلاصة
فضيحة الحبوب بين أوكرانيا وإسرائيل ليست مجرد خلاف تجاري عابر. إنها كشفت عن توترات أعمق في العلاقات الثنائية، وعن اختلاف في الأولويات الجيوسياسية بين أوكرانيا وإسرائيل. فبينما تقاتل أوكرانيا من أجل البقاء وتتوقع دعماً غير مشروط، تتعامل إسرائيل مع حليفتها الجديدة بحذر، محافظة على علاقاتها مع موسكو.
السؤال الأكبر يبقى: هل ستكون هذه الفضيحة بداية لمرحلة جديدة أكثر برودة في العلاقات، أم مجرد اختبار سريع سينتهي بمجرد تقديم الأدلة وتوضيح سوء الفهم؟ الأيام المقبلة ورد فعل الاتحاد الأوروبي ستكون حاسمة في تحديد الإجابة.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
