لماذا يتجنب بوتين لقاء زيلينسكي؟ قراءة في حسابات الكرملين وخلفيات الجمود التفاوضي

بوتين يريد ضمانات مسبقة وانتصاراً صورياً قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات – لكن كييف ترفض الانسحاب من دونباس كشرط للحوار
كييف/ أوكرانيا بالعربية / بينما تتجه أوكرانيا مجدداً إلى تركيا بمبادرة لعقد قمة مباشرة بين الرئيس فولوديمير زيلينسكي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، يظل الكرملين متجنباً الحوار المباشر، مكتفياً بتصريحات متناقضة عن "الاستعداد للمفاوضات" ولكن بشروط مسبقة تعتبرها كييف بمثابة إنذار نهائي.
هذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها سيناريو لقاء القمة، لكنه يصطدم دائماً بالجدار نفسه: رفض موسكو الجلوس إلى طاولة المفاوضات دون ضمانات مسبقة، وفي مقدمتها "انسحاب القوات الأوكرانية من دونباس". فما الذي يخفيه الكرملين وراء هذا التمترس؟ ولماذا يفضل بوتين حرب استنزاف على حوار مباشر قد ينهيها؟
أنقرة وسيطاً... لكن موسكو تضع العراقيل
تعاود أوكرانيا طرح فكرة الوساطة التركية، مستغلة علاقات أنقرة المتوازنة مع كييف وموسكو. وقد أكد زيلينسكي استعداد بلاده "لأي صيغة حوار"، مذكراً بأن أوكرانيا سبق أن شاركت في مفاوضات ثلاثية في تركيا وسويسرا. بل إن كييف أبدت استعدادها لعقد الجولة المقبلة في أذربيجان، إذا أبدت موسكو جدية.
لكن الرد الروسي، حين يأتي، يكون مخيباً للآمال. فالمتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف يكرر أن بوتين "مستعد من حيث المبدأ" للقاء، ولكن فقط في "مرحلة التنسيق النهائي للاتفاقيات"، وفي سياق يسبقه شرط أوكراني بالانسحاب من دونباس.
وهذا ليس تفاوضاً، بل إنذار نهائي.
لماذا يخشى بوتين اللقاء المباشر؟
تحليل تصريحات المسؤولين الروس وسلوكهم التفاوضي يكشف عن عدة عوامل تفسر هذا التجنب:
أولاً: صدمة عام 2019
يشير محللون إلى أن بوتين لم ينسَ لقاءه مع زيلينسكي في باريس عام 2019، حيث وُجهت إليه أسئلة محرجة فاجأته، ولم تكن ضمن "جدول الأعمال المتفق عليه مسبقاً". منذ ذلك الحين، بات الكرملين يصر على أن أي لقاء قمة يجب ألا يكون مفتوحاً، بل مجرد إجراء شكلي للمصادقة على اتفاقات محسومة سلفاً.
ثانياً: "روح أنكوراج" المفقودة
يشير المحلل ياروسلاف ماكيترا إلى أن موسكو لا تزال تستند إلى ما تسمى "روح أنكوراج" – إشارة إلى تفاهمات شفهية زُعم أنها جرت بين الوفدين الروسي والأمريكي في مرحلة سابقة، كان من المفترض أن تقدم أوكرانيا بموجبها تنازلات إقليمية. لكن مر عام ولم تقدم كييف شيئاً، بينما تتمسك موسكو بنفس المطالب وكأن الزمن توقف.
ثالثاً: الحرب كخيار استراتيجي
يتفق الخبراء على أن روسيا ليست مستعدة بعد لإنهاء الحرب. فبينما تقدم أوكرانيا تنازلاً تلو الآخر في صيغ التفاوض، لم نرَ أي تغيير في الموقف الروسي منذ بداية العام. وكما تقول ماريا غيليتي، خبيرة العلاقات الدولية: "لم نرَ أي تغيير من الجانب الروسي... وهذا يُشير إلى أن روسيا ستواصل المساومة ومواصلة الحرب".
اللعبة الروسية: مطلب الانسحاب من دونباس كحجر عثرة
لماذا يُصر الكرملين على هذا الشرط تحديداً؟
الهدف مزدوج: داخلياً، يمكن لروسيا أن تبيع لجمهورها أن أوكرانيا "استسلمت". خارجياً، محاولة زعزعة استقرار أوكرانيا وإثارة انقسام داخلي حول التخلي عن الأراضي المحصنة.
لكن كييف تدرك أن الانسحاب من دونباس أولاً يعني التخلي عن أوراق الضغط الوحيدة، ومن ثم يصبح مصير التفاوض رهناً بحسن نية روسي غير مضمون. ولهذا ترفض أوكرانيا أي ترتيب لا يقوم على خطوات متزامنة وقابلة للتحقق.
أمريكا منشغلة، وأوروبا تستعد لحرب طويلة
لا يغفل المراقبون عاملاً آخر: انشغال الإدارة الأمريكية بالملف الإيراني. ففريق التفاوض الأمريكي نفسه (ويتكوف وكوشنر) يوزع جهوده بين الشرق الأوسط وأوكرانيا، مما يبطئ وتيرة الضغط على موسكو. وهذا ما عبر عنه زيلينسكي نفسه في مقابلة مع CNN، محذراً من "خطر تأجيل الجهود الحثيثة لوقف القتال في أوكرانيا إلى حين انتهاء الصراع حول إيران".
في الوقت نفسه، تستعد أوروبا لسيناريو الحرب الطويلة، ولا تعلق آمالاً كبيرة على طاولة المفاوضات. وبعض العواصم الأوروبية بدأت تتحدث علناً عن ضرورة تعزيز الصناعات الدفاعية لمواجهة تهديد روسي قد يستمر لعقد كامل.
ماذا تريد أوكرانيا؟
موقف كييف واضح: "لا تنازل عن الأراضي، ولا مفاوضات تحت التهديد". كما صرح رئيس مكتب الرئيس الأوكراني، كيريلو بودانوف، بوضوح: "أولاً: لن نتنازل عن أي شيء. هذا لن يحدث، مهما حاول أي طرف. ثانياً: فيما يتعلق بدونباس، لدينا حلٌّ مُحدد يُرضينا أولاً وقبل كل شيء. ولا يحق لأحد هنا التنازل عن الأرض".
لكن أوكرانيا تظل منفتحة على الدبلوماسية، بشرط أن تكون عادلة وتؤدي إلى سلام حقيقي، لا إلى هدنة تُستخدم لإعادة تسليح الجيش الروسي.
خلاصة: المواجهة مستمرة، والمبادرة بيد واشنطن
يبدو أن مفاتيح الحل لا تزال عالقة بين عاملين: الأول، قدرة واشنطن على توحيد جهودها وفرض ضغط حقيقي على موسكو، بدلاً من الانشغال بملفات جانبية. والثاني، إدراك بوتين أن الحرب الطويلة قد تكون أكثر كلفة من أي "نصر" صوري يمكن تسويقه داخلياً.
حتى ذلك الحين، سيبقى لقاء زيلينسكي-بوتين حلماً مؤجلاً، وستبقى أوكرانيا مستعدة للحوار، بينما يظل الكرملين متمسكاً بإنذاراته، متحججاً بأن "كييف تفتقر إلى الإرادة السياسية للتسوية". لكن الحقيقة – كما يبدو – أن من يفتقر إلى الإرادة هو من يخشى الجلوس إلى طاولة الحوار دون شروط مسبقة.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
