كيف تعيد أوكرانيا أطفالها المختطفين من روسيا.. رحلة محفوفة بالمخاطر

قصص مؤلمة لأطفال أوكرانيين اختطفهم الروس، ومعاناة العودة عبر عمليات سرية، وفضح ممارسات الكرملين في إعادة تربية الأطفال قسراً
كييف/ أوكرانيا بالعربية/ منذ بداية الغزو الشامل، قام الروس بترحيل عشرات الآلاف من الأطفال الأوكرانيين قسراً إلى روسيا والأراضي المحتلة. وبحسب البيانات الرسمية، تم توثيق أسماء 22 ألف طفل في السجل الحكومي "أطفال الحرب"، لكن العدد الفعلي قد يكون أكبر بكثير بسبب شح المعلومات القادمة من المناطق المحتلة.
هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام، بل قصص إنسانية مأساوية. بعضهم شاهد آباءه يُقتلون أمام أعينهم، وآخرون تعرضوا للتعذيب والاغتصاب على يد الجنود الروس. واليوم، تعمل أوكرانيا بكل السبل الممكنة لإعادتهم، في عملية وصفها المسؤولون بأنها "معقدة وخطيرة"، تتطلب تنسيقاً دولياً وسرية تامة.
بوهدان: من ماريوبول إلى موسكو والعودة
بوهدان إرموخين، مراهق من ماريوبول، شاهد بأم عينيه حصار مدينته. يقول: "المدينة أصبحت شبحاً، الكثير من الناس ماتوا. كنت أعيش في المبنى الوحيد المكون من تسعة طوابق في الحي، ورأيت كل الانفجارات وكل المعدات العسكرية التي كانت تمر".
بعد ذلك، اقتاده الجنود الروس قسراً إلى دونيتسك المحتلة، ثم إلى مصحة "بولاني" في ضواحي موسكو، حيث خضع هو وأطفال أوكرانيون آخرون لغسيل دماغ ممنهج. يقول بوجدان: "كانوا يقولون لنا إن الأطفال في أوكرانيا يُسلمون إلى تجار الأعضاء، وإن الجميع يُجندون قسراً في الجيش".
ثم تولت إيرينا رودنيتسكايا، وهي امرأة من ضواحي موسكو، الوصاية الرسمية على بوهدان. لكنه اكتشف لاحقاً أنها كانت متورطة في الاتجار بالأطفال، وتم اعتقالها في عام 2025. وعندما بلغ بوهدان سن الرشد، وصلته استدعاءات عسكرية روسية مراراً، مما دفعه للتماس العودة إلى أوكرانيا.
بعد مفاوضات معقدة قادها مكتب الرئيس الأوكراني وأمين المظالم دميترو لوبينيتس، وبوساطة من اليونيسف وقطر، تمكن بوجدان من العودة إلى وطنه. يقول: "كان وجودي في روسيا كابوساً. في أوكرانيا، علمت أن المرأة التي كفلتني كانت تاجرة بشر".
كسينيا وسيرغي: إخوة تحت وطأة الضغط النفسي
كسينيا كولدينا وشقيقها الأصغر سيرغي عاشا في عائلة حاضنة في فوفتشانسك. عندما احتل الروس المدينة عام 2022، تم ترحيلهما إلى روسيا. أُرسلت كسينيا للدراسة، بينما أُرسل سيرغي إلى معسكر صيفي تحول إلى تسعة أشهر من الاحتجاز.
تقول كسينيا: "عندما علمت العائلة الحاضنة أنني أريد استعادة أخي، بدؤوا يضغطون عليه نفسياً، يقولون له إنه لا يحتاجه أحد، وإن روسيا أفضل، وإن الحرب في أوكرانيا مستمرة".
سافرت كسينيا إلى كراسنودار، حيث كان شقيقها، وأمضت ثلاث ساعات في إقناعه بالعودة، وسط ضغوط نفسية هائلة. تقول: "كانوا يضغطون عليه لدرجة أنه حتى لم يرد أن يعانقني. وعدت نفسي بأنني لن أعود إلى أوكرانيا بدونه".
سيرغي الآخر: تعذيب بسبب حبه لأوكرانيا
سيرغي، البالغ من العمر 16 عاماً من منطقة خاركيف، أوقفه الروس عندما حاول العودة إلى أوكرانيا بمفرده أربع مرات. وفي المرة الرابعة، اقتيد إلى قبو حيث تعرض للضرب المبرح.
يقول سيرغي: "كان لديهم قضيب معدني بطول 40-50 سنتيمتراً. عندما عرفوا أنني لاعب كرة قدم، بدأوا يضربونني على ساقيَّ. عندما وصلت أخيراً إلى الحدود الأوكرانية، كانت جواربي ملطخة بالدماء بالكامل".
عمليات سرية ومخاطرة بالحياة
تعمل الحكومة الأوكرانية والمنظمات غير الحكومية في صمت تام لإعادة الأطفال. تقول داريا غيراسيمشوك، مستشارة الرئيس الأوكراني لحقوق الطفل: "الكثير من العمليات فشلت لأن المعلومات تسربت. الروس يغلقون القنوات فوراً. المشكلة الأكبر هي معرفة مكان وجود الطفل".
ويوضح أمين المظالم دميترو لوبينيتس: "غالباً ما نستخدم أراضي دول ثالثة لأننا لا نملك رحلات جوية مباشرة مع روسيا. نحن نبني طرقاً لوجستية مختلفة، وأحياناً يذهب أقارب الأطفال بأنفسهم لاستعادتهم، وهي مخاطرة كبيرة".
الإندوكتيناسيون والتحويل القسري
في روسيا، يُنظر إلى الأطفال الأوكرانيين كمورد للحرب. يحاولون تحويلهم إلى جنود أو أمهات شابات. تقول ميروسلافا خارتشينكو من منظمة Save Ukraine: "الفتيات الصغيرات يُشجعن على الزواج المبكر والإنجاب في سن 14-16. هناك كتيبات في المدارس تروج لهذه الأفكار".
روستيسلاف من خيرسون اختطفه الروس وأُرسل إلى معسكر في شبه جزيرة القرم المحتلة، ثم إلى مدرسة بحرية في كيرتش. يقول: "كل صباح كنا نقف تحت النشيد الروسي، وكنا ندرس اللغة الروسية ونتدرب على حمل السلاح. كانوا يريدون تحويلنا إلى جنود روس".
عندما رفض الحصول على جواز سفر روسي، سُجن لمدة أسبوع، ثم أُرسل إلى "مركز تأهيل" وُصف بأنه سجن حقيقي بالأسلاك الشائكة والكاميرات. يقول: "كانوا يريدون إقناعي بأن أوكرانيا سيئة وروسيا جيدة. لكنني فهمت أنهم يريدون إعادة تثقيفي قسراً".
الجهود الدولية والعقوبات
تعمل أوكرانيا مع تحالف دولي يضم 50 دولة، بقيادة مبادرة "أعيدوا الأطفال" التي أطلقها الرئيس زيلينسكي. بمساعدة الفاتيكان وقطر، تم إعادة 2274 طفلاً حتى يونيو/حزيران 2026.
تقول المحامية الدولية أونيسيا سينيوك: "الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا أكدت أن تصرفات روسيا تحمل علامات جريمة إبادة جماعية". وأضافت: "قرار الأمم المتحدة عام 2025، الذي حظي بدعم 91 دولة، يُجرم الترحيل القسري للأطفال كمحاولة لمحو الهوية الوطنية الأوكرانية".
في مايو/أيار 2026، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على 16 شخصاً و7 كيانات متورطة في اختطاف الأطفال، بينها مراكز أطفال روسية. وتطالب أوكرانيا بتوسيع القائمة لتشمل العائلات التي تتبنى الأطفال الأوكرانيين بشكل غير قانوني.
جريمة إبادة جماعية مستمرة
يقول الخبراء إن ما تفعله روسيا هو سياسة دولة منظمة تهدف إلى كسر نفسية الأطفال، وفرض كراهية وطنهم الأم، وتحويلهم إلى جنود لحروب الكرملين المستقبلية.
تختتم المحامية زيرا كوزلييفا: "هذه جريمة مختلفة لأنها تُرتكب بأمر من سلطات الدولة. إنها انتهاك منهجي، وروسيا كدولة ستواجه صعوبة في التهرب من المسؤولية".
ويؤكد التقرير أن العودة الآمنة لكل طفل أوكراني هي واجب أخلاقي وقانوني، وأن المجتمع الدولي مدعو لمواصلة الضغط حتى عودة آخر طفل مختطف إلى أحضان وطنه وأهله.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
