أوكرانيا من متلقٍ للمساعدات العسكرية إلى مُصدرٍ للأمن…بقلم د. محمد فرج الله

أوكرانيا تُدمج في سوق الدفاع الأوروبي

كييف/أوكرانيا بالعربية/ تعد التطورات الراهنة سببا وجيها لاعادة قراءة خلفية الاحداث العسكرية والسياسية كجزء من صورة استراتيجية شاملة: ليبرز واقع مفاده بان أوكرانيا تنتقل تدريجيًا من وضع متلقٍّ للمساعدات إلى وضع مانح للأمن، وتتحول الحرب من صراع إقليمي إلى عامل مؤثر في إعادة هيكلة النظام الأمني ​​العالمي .
أولًا، بدأت أوكرانيا بالفعل بتصدير الأمن.
اذ تُعدّ تصريحات زيلينسكي بأن أوكرانيا تمتلك "أوراقًا رابحة" دلالة على وضع جديد: فقد أصبحت خبرة الحرب لمواجهة عدوان روسيا رصيدًا تكنولوجيًا ثميناً .
مما دفع الولايات المتحدة ودول العربية في الشرق الأوسط لتطلب الخبرة الأوكرانية في مكافحة المسيرات الإيرانية ، بما في ذلك تقنيات الاعتراض، والدفاع الجوي المتنقل، ومجموعات الحرب الإلكترونية. ويشارك الان خبراء أوكرانيون حاليًا في حماية قواعد حلفاء أوكرانيا في الشرق الأوسط .
ان هذا مستوى جديد كليًا: فلم تعد أوكرانيا مجرد مستهلكة لمنظومة باتريوت، بل أصبحت مُورِّدة للمعرفة التي تُمكّن الحلفاء من توفير تكاليف الصواريخ الباهظة من خلال حلول رخيصة لمكافحة الطائرات المسيّرة. "بولات" ، لتتشكل صيغة جديدة: "أوكرانيا بلد مُصدِّر للأمن".
ثانيًا، أصبحت الحرب في الشرق الأوسط عامل خطر جديد لأوكرانيا. فالاستخدام المكثف لمنظومة باتريوت ضد الصواريخ الإيرانية يُسبب بالفعل نقصًا في هذه المنظومة على مستوى العالم، مما يعني تنافسًا على الموارد بين جبهات القتال.
وهذا يُفسر ما يلي:
- لماذا تتلقى أوكرانيا صواريخ PAC-3 على دفعات صغيرة؛
- لماذا تُضطر أوروبا إلى "استلام" الصواريخ من حلفائها؛
- لماذا تُقدم كييف عرضًا لتبادل التقنيات المضادة للصواريخ.
إن صواريخ PAC-3 التي نقلتها ألمانيا ليست مجرد مساعدات، بل هي دليل على أن الدفاع الجوي الأوروبي يعمل بالفعل كنظام دعم متكامل لأوكرانيا.
ثالثًا، تنتقل أوروبا من تقديم المساعدات إلى دمج أوكرانيا في اقتصادها الدفاعي. ويُعد قرار البرلمان الأوروبي بإدراج أوكرانيا في سوق الدفاع الأوروبي أكثر أهمية بكثير من حزم المساعدات الفردية.
وهذا يعني:
- دمج المجمع الصناعي العسكري الأوكراني في سلاسل التوريد الأوروبية؛
- الإنتاج المشترك؛
- العقود طويلة الأجل؛
- الإدماج الفعلي لأوكرانيا في منظومة الدفاع الأوروبية.
في الواقع، هذه بداية لحلف ناتو للتقنية العسكرية بدون عضوية رسمية.
رابعًا، تُعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري في رومانيا، وهذا جزء من منظومة الردع الجديدة.
إن نشر القوات الأمريكية في رومانيا ليس مجرد رد فعل على إيران، بل هو أيضًا تعزيز للجناح الجنوبي الشرقي لحلف الناتو في مواجهة روسيا.
في الواقع، يتشكل قوس أمني جديد: البلطيق - بولندا - رومانيا - البحر الأسود. هذا هو نفس حزام الردع ضد روسيا الذي يُشكله الغرب منذ عام 2014.
خامسًا، تُظهر روسيا منطق استنزاف الموارد الكلاسيكي.
المؤشرات:
- تشكيل "مجموعات متنقلة" من المدنيين في شبه جزيرة القرم؛
- استخدام المسؤولين؛
- عسكرة الأسطول السري؛
- تصدير التقنيات العسكرية إلى إيران.
هذه ليست مؤشرات على القوة، بل على نقص في الأفراد. فعندما يُوضع المسؤولون في الدفاع الجوي، فهذا يعني نقصًا في الأفراد العسكريين. عندما تستقبل ناقلات النفط أفرادًا من شركات الأمن الخاصة، فهذا يعني نقصًا في البحارة. وعندما تستفيد إيران من الخبرة الروسية، فهذا يعني محاولةً للحصول على موارد سياسية عبر حرب الآخرين.
سادسًا: يُغيّر الكرملين موقفه التفاوضي.
تُشير تصريحات بيسكوف حول عدم جدوى اتفاقيات إسطنبول إلى أن روسيا لا تُحضّر للسلام، بل لحملة جديدة.
يُشير معهد دراسات الحرب (ISW) بالفعل إلى أن روسيا الاتحادية تُحضّر لحملة هجومية في عام 2026 من خلال تدريبات المدفعية وتكثيف غارات الطائرات المسيّرة. أي أن موسكو تُراهن مجددًا على الحل العسكري.
سابعًا: يكمن الخطر المعلوماتي الرئيسي في موضوع "التسويات".
أمثلة نموذجية لاستطلاعات إيبسو في الأشهر القادمة:
- "أوكرانيا تُجبر على تقديم تنازلات"؛
- "الولايات المتحدة تحوّلت إلى إيران"؛
- "أوروبا مُنهكة"؛
- "المساعدات ستنتهي".
الواقع يُظهر عكس ذلك:
- التمويل حتى عام 2029؛
— الاندماج في سوق الدفاع الأوروبي؛
— حزم دفاع جوي جديدة؛
— الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة؛
— الشراكة التكنولوجية.
أي أن الأمر الأهم يحدث:
تنتقل أوكرانيا من منطق "المساعدة" إلى منطق "التحالف".
لا يقتصر التوجه الرئيسي لعام 2026 على دعم أوكرانيا فحسب،
بل هو الاندماج التدريجي للفضاء الأمني ​​الأوكراني والأوروبي.
تصبح أوكرانيا:
— الخبرة العسكرية الأوروبية؛
— مختبرًا للحرب الحديثة؛
— مُصنِّعًا للحلول؛
— جزءًا من اقتصاد الدفاع الغربي.
وهذه تحديدًا هو الهزيمة الاستراتيجية الكبرى لروسيا، لأن الكرملين خطط لعزل أوكرانيا، والنتيجة نجح في دمجها في النظام الأمني ​​العالمي من حيث لا يدري كنتيجة عكسية جديدة. ولذلك، فإن المعركة الرئيسية الآن لا تقتصر على الجبهة، بل على مكانة أوكرانيا في العالم المستقبلي، وهذه المكانة تتغير بالفعل لصالح أوكرانيا . 


بقلم د. محمد فرج الله  رئيس تحرير ⁧‫أوكرانيا بالعربية‬⁩
المصدر: أوكرانيا بالعربية 

مشاركة هذا المنشور:
أخبار مشابهة
سياسة
أوكرانيا تُسقط 90 طائرة مسيّرة روسية
سياسة
زيلينسكي: روسيا استخدمت 430 مسيرة و68 صاروخاً في هجوم ليلي استهدف طاقة كييف
الدفاعات الجوية تسقط 58 صاروخاً - الرئيس يحذر من استغلال موسكو لحرب الشرق الأوسط لتصعيد الهجمات على أوكرانيا
سياسة
تحقيق أممي يتهم روسيا بنقل أطفال أوكرانيين قسراً
كييف تعلن استعادة قواتها معظم مقاطعة دنيبروبيتروفسك
الأخبار الرئيسية
سياسة
قصف روسي مكثف يستهدف البنية التحتية للموانئ والطاقة في ميكولايف
سياسة
وزير الدفاع الأوكراني يعلن اختبار 4 نماذج لمواجهة تصاعد هجمات شاهد الروسية
سياسة
زيلينسكي: يجب أن تشعر روسيا كل يوم بأن الحرب تعود إلى حيث أتت
أخبار أخرى في هذا الباب
آراء ومقالات
كيف تعززت القوات الجوية الأوكرانية رحلتها من ميغ إلى إف-16 وغريبن.. تحليل التطورات
القوات الجوية الأوكرانية تحتفل بيوم الطيران بتسليط الضوء على تحولها التاريخي من طائرات الحقبة السوفيتية إلى مقاتلات غربية حديثة، في رحلة مكثفة غيرت قواعد الحرب الجوية
آراء ومقالات
دعم أوروبي جديد لأوكرانيا في ذكرى استقلالها.. تحليل التطورات الميدانية والدبلوماسية
قادة أوروبيون يجتمعون في كييف مع إعلان حزمة مساعدات بقيمة 6.1 مليار يورو، وزيلينسكي يلمح إلى مسار دبلوماسي لمواجهة الحصار البحري، وسط ضغوط داخلية ودعوات لتسريع الانضمام للاتحاد الأوروبي
آراء ومقالات
كيف تنهي أوكرانيا الحرب وتتجنب هدنة قبل عدوان جديد.. تحليل أوليه شامشور لمستقبل أوكرانيا وأوروبا
السفير الأوكراني السابق لدى الولايات المتحدة وفرنسا يشرح شروط السلام المستدام، وضرورة هزيمة روسيا عسكرياً، ودور أوكرانيا المحوري في النظام الأمني الأوروبي
تابعونا عبر فيسبوك
تابعونا عبر تويتر
© Ukraine in Arabic, 2018. All Rights Reserved.