النظام العالمي في لحظة الحقيقة.. بقلم سفيرة أوكرانيا لدى سلطنة عُمان

المسؤولية تحدد المستقبل

كييف/ أوكرانيا بالعربية/ أصبح عام 2026 لحظة حاسمة للنظام الدولي، فما كان يُنظر إليه مؤخرًا على أنه أزمات إقليمية، بات اليوم اختبارًا بنيويًا للنظام العالمي.

 تُظهر الأحداث في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط - ولا سيما التصعيد الخطير حول إيران - أن الاستقرار العالمي لم يعد أمرًا مفروغًا منه، بل يتطلب حماية واعية.

لقد أصبح العالم شديد الترابط لدرجة أن أي خلل في منطقة ما يتردد صداه حتمًا في منطقة أخرى. 

أسواق الطاقة، والأمن الغذائي، وطرق التجارة البحرية، والأنظمة المالية - كل هذا لم يعد ذا بُعد محلي. 

ولم يعد الأمن مفهومًا إقليميًا، بل أصبح مسؤولية مشتركة.

لقد أصبح العدوان على أوكرانيا التحدي الأبرز للمبادئ الأساسية للقانون الدولي في القرن الحادي والعشرين. 

ولا يقتصر الأمر على مصير دولة واحدة، بل يتعلق بفعالية المعايير المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، والتي تضمن المساواة في السيادة بين الدول، واحترام السلامة الإقليمية، وعدم استخدام القوة، فلم تُوضع هذه المبادئ كإعلان نوايا، بل كآلية لمنع عدم الاستقرار العالمي.

عندما تصبح هذه المعايير انتقائية، يفقد القانون الدولي عالميته، وعندما تتلاشى العالمية، تتلاشى القدرة على التنبؤ. في عالم كهذا، يتحول الأمن من حق إلى امتياز يعتمد على القوة.

تؤكد الأحداث المحيطة بإيران مرة أخرى هشاشة التوازن. ظل الشرق الأوسط منطقة تناقضات معقدة لعقود، لكن الواقع المعاصر يضيف بُعدًا جديدًا: فكل تصعيد يحمل مخاطر على نطاق عالمي. 

لا تكمن مسؤولية الدول في مثل هذه اللحظات في استعراض القوة، بل في إظهار ضبط النفس الاستراتيجي. يثبت التاريخ بشكل قاطع أن المكاسب قصيرة الأجل التي تُحقق بالقوة تكاد تُؤدي دائمًا إلى عدم استقرار طويل الأمد.

أوكرانيا اليوم ليست مجرد هدف للعدوان. لقد أصبح هذا الأمر بمثابة اختبار لمدى اتساق المجتمع الدولي، فإذا أمكن انتهاك مبدأ السلامة الإقليمية دون عواقب وخيمة، فإن ذلك يُرسي سابقة لن تقتصر على منطقة واحدة. 

إما أن يبقى النظام العالمي قائماً على القواعد، أو يتحول تدريجياً إلى نظام تكون فيه القوة هي العامل الحاسم.

إن حياد الدول خيار مشروع وسيادي. ومع ذلك، فإن الحياد لا يعني اللامبالاة بالمعايير الأساسية. إن دعم مبدأ عدم استخدام القوة ليس دعماً لدولة بعينها، بل هو دعم لفكرة الاستقرار الدولي ذاتها. فالقواعد العالمية تحمي الجميع - الدول الكبيرة والصغيرة، والمراكز الاقتصادية والدول النامية.

اليوم، يقف العالم على مفترق طرق استراتيجي. إما أن تُعيد الدول تأكيد التزامها بالمبادئ التي وفرت قدراً نسبياً من الاستقرار لعقود، أو أن تسمح لها بالتآكل تدريجياً.

إن البديل للقانون العالمي هو عالم مجزأ يسوده الاضطراب المستمر، حيث يمكن لأي أزمة أن تتصاعد إلى أزمة عالمية.

أوكرانيا لاتدافع سيادتها فحسب، وإنما تدافع عن مبدأ أن الحدود لا تُغيّر بالقوة، وأن الأمن ليس نتاجًا للهيمنة.

 وهذا الموقف ليس إقليميًا، بل له بُعد استراتيجي على مستوى النظام الدولي برمته.

السلام ليس مجرد غياب مؤقت للعداوات. السلام هو حالة تلتزم فيها الدول بالقواعد حتى في أصعب الظروف. 

الحلول القائمة على القانون الدولي وحدها كفيلة بتحقيق استقرار طويل الأمد. والتسويات التي تتجاهل السيادة أو السلامة الإقليمية تؤجل الأزمة، لكنها لا تقضي على أسبابها.

لا تُصاغ بنية النظام الدولي بالتصريحات، بل بالقرارات المتخذة في لحظات التوتر. 

اليوم، تُحدد الدول ملامح العالم في العقود القادمة: هل سيكون عالمًا قابلًا للتنبؤ وقائمًا على القانون، أم عالمًا مضطربًا تحكمه القوة.

لم يكتمل الاختيار بعد، لكن المسؤولية مشتركة.

سفيرة أوكرانيا فوق العادة ومفوضة لدى سلطنة عمان أولها سيليخ

 الأول من آذار/ مارس 2026

هذا الخبر باللغة الأوكرانية

هذا الخبر باللغة الروسية

 

المصدر: أوكرانيا بالعربية 

مشاركة هذا المنشور:
أخبار مشابهة
دبلوماسية
سفيرة أوكرانيا تقدم أوراق اعتمادها إلى سلطان عُمان
سيليخ: إنه لشرفٌ عظيمٌ لي أن أكون أول امرأةٍ تُمثل أوكرانيا في سلطنة عُمان ومنطقة الخليج العربي
دبلوماسية
سفيرة أوكرانيا تبدأ مهمتها الدبلوماسية في سلطنة عُمان
سيليخ: أؤمن إيمانًا راسخًا بأن الجمع بين حكمة عُمان واستقرارها وعزم أوكرانيا على التعافي والقوة والتنمية يُهيئ مساحةً فريدةً لظهور شراكة استراتيجية حقيقية، شراكة لن تُعزز بلدينا فحسب، بل ستكون أيضًا مثالًا يُحتذى به للمنطقة والعالم أجمع.
سياسة
سيبيها يبحث العلاقات الثنائية والتعاون الدولي مع بدر البوسعيدي
سيبيها يشكر البوسعيدي على الوساطة العمانية وجهودها الإنسانية
سياسة
أوكرانيا تستعيد ثلاثة بحارة أسرى لدى الحوثيين بوساطة عمانية
الاستخبارات الحربية ووزارة الخارجية تجليان البحارة الأوكرانيين المفرج عنهم من قبل الحوثيين اليمنيين
الأخبار الرئيسية
آراء ومقالات
النظام العالمي في لحظة الحقيقة.. بقلم سفيرة أوكرانيا لدى سلطنة عُمان
المسؤولية تحدد المستقبل
سياسة
جونسون: حرب أوكرانيا ما كانت ستحدث لولا تقاعس الغرب عن معاقبة الأسد على «الكيماوي»
رئيس وزراء بريطانيا السابق قال إن بوتين تشجع بسبب السكوت عن غزو القرم والحرب السورية
سياسة
أمطرت روسيا على أوكرانيا بصواريخ لم تشهدها منذ ثلاث سنوات خلال فبراير/شباط
وزير خارجية أوكرانيا: يجب محاكمة بوتين كمجرم حرب
أخبار أخرى في هذا الباب
آراء ومقالات
26 فبراير – يوم المقاومة القرم ضد الاحتلال الروسي
آراء ومقالات
أربعة أعوام من الغزو الروسي لأوكرانيا ماذا حقق بوتين؟ .. بقلم د. مُحمد فرج الله
تحليل دقيق لرئيس وكالة أوكرانيا بالعربية حول الحرب الروسية على أوكرانيا في ذكراها السنوية الرابعة
آراء ومقالات
تحالف الراغبين يُعدّ خمسة قرارات رئيسية لأوكرانيا في باريس
باريس تجمع المستعدين لفعل أكثر من مجرد التعاطف مع أوكرانيا
تابعونا عبر فيسبوك
تابعونا عبر تويتر
© Ukraine in Arabic, 2018. All Rights Reserved.