البيوت الروسية في أفريقيا: شبكة تجنيد واستغلال تحت غطاء ثقافي وتعليمي

شبكة تجنيد في 22 دولة أفريقية، خطط لتجنيد 18.500 مرتزق بحلول 2026، وفتح 8 مراكز جديدة في نيجيريا والسنغال ومالي، وميزانية دعاية روسية قياسية بـ 1.85 مليار دولار

كييف/ أوكرانيا بالعربية/ كشفت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن شبكة "البيوت الروسية" الآخذة في التوسع تعمل قناة تجنيد لحرب موسكو، إذ تغري شباب أفريقيا بوعود الدراسة والعمل قبل إرسال بعضهم إلى الجبهات أو مصانع الطائرات المسيّرة، في إطار استراتيجية روسية تهدف إلى ترسيخ النفوذ على مستوى القارة.

ما الذي يجري داخل "البيوت الروسية" في أفريقيا؟

تفيد المعلومات بأن هذه المراكز تنظم دورات لتعليم اللغة الروسية، وتعرض أفلاماً سوفييتية وروسية ذات طابع وطني، وتوزع منشورات خاضعة للرقابة الأيديولوجية، وتروّج لصورة "روسيا السعيدة". لكن هذا الوعد ينقلب في الواقع، بحسب الاستخبارات الأوكرانية، على كثير من المنخرطين، إذ يوقع بعضهم عقوداً مع الجيش الروسي ويُرسلون مباشرة إلى أخطر محاور الجبهة في أوكرانيا، حيث معدلات الخسائر البشرية مرتفعة للغاية، أو إلى مصانع لإنتاج الطائرات المسيرة مثل مجمع "ألابوغا" في تتارستان، الذي ينتج طائرات "شاهد-136" لصالح الجيش الروسي.

وكان يفغيني بريماكوف الابن، الرئيس السابق لـ"روسوترودنيتشيستفو"، قد أعلن في عام 2025 أن الحكومة ستموّل دراسة أكثر من 5,000 طالب أفريقي في الجامعات الروسية، وهو عرض تعليمي يشكل في كثير من الحالات الحافز الأبرز لتعاون السكان المحليين مع هذه المراكز. وفي يناير من هذا العام، اعترف بريماكوف الابن علناً بأن "شركة عسكرية خاصة أفريقية معروفة" ـ يُفهم على نطاق واسع أنها مجموعة فاغنر التي أعيدت تسميتها "أفريقيا كوربس" بعد مقتل مؤسسها يفغيني بريغوجين ـ شاركت مباشرة في تأسيس "بيوت روسيا" في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى. ووصف مركز مكافحة المعلومات المضللة في أوكرانيا هذا الاعتراف بأنه تأكيد على أن تلك المراكز ليست مؤسسات ثقافية محايدة بل أدوات في عمليات هجينة.

تُدار على أيدي مقرّبين من بوتين

ينحدر يفغيني بريماكوف الابن، الصحفي وعضو مجلس الدوما السابق، من عائلة سياسية وأمنية نافذة؛ فهو حفيد رئيس الوزراء الروسي السابق يفغيني بريماكوف، الذي ترأس أيضاً "المديرية الأولى" في جهاز "كي جي بي" وأشرف على تحولها إلى جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي "SVR". ويتمتع بريماكوف الابن بعلاقات مباشرة مع بوتين؛ إذ خدم كأحد "الممثلين الموثوقين" للرئيس خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2018، وانتُخب في العام نفسه نائباً في الدوما، قبل أن يُعيَّن على رأس "روسوترودنيتشيستفو" في عام 2020. ويخضع بريماكوف الابن لعقوبات من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا لدوره في الترويج لضم الأراضي الأوكرانية المحتلة.

وفي أبريل من هذا العام، أقاله بوتين من منصبه وعيّن مكانه إيغور تشايكا، نجل المدعي العام الروسي السابق يوري تشايكا، وهو نفسه شخصية فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية في عام 2022 عقوبات بسبب وضعه خططاً، بمساعدة الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف، لزعزعة استقرار الحكومة الموالية للغرب في مولدوفا. وكان إيغور وشقيقه الأكبر أرتيوم موضوع تحقيق أجراه فريق المعارض الروسي الراحل أليكسي نافالني حول الفساد، حيث أظهرت وثائقيات نشرت عام 2015 أن الشقيقين استغلا منصب والدهما لجمع ثروات عبر عقود حكومية مزورة، والاستيلاء على شركة شحن مملوكة للدولة، وامتلاك عقارات غير مصرح عنها في الخارج، منها فيلات في سويسرا واليونان.

وفي بانغي، تتولى إدارة "البيت الروسي" شخصية تُدعى دميتري بسيتي، يدير في الوقت نفسه عمليات فاغنر في جمهورية أفريقيا الوسطى ويُقال إنه يستخدم المركز كقاعدة لوجستية لتهريب الذهب والألماس والأخشاب، وفق تقارير إعلامية.

كم عدد الأفارقة الذين جرى تجنيدهم حتى الآن؟

يشير تقرير صادر عن "المعهد الدنماركي للدراسات الدولية" إلى أن حرب المعلومات الروسية توسعت بشكل ملحوظ منذ عام 2022 في دول "الجنوب العالمي"، وخصوصاً في أفريقيا، حيث تقدّم موسكو نفسها شريكاً "مناهضاً للاستعمار" وتستميل النخب السياسية والرأي العام عبر "حزم بقاء للأنظمة" تشمل أسلحة ومستشارين سياسيين وحملات تأثير. وعلى منصة التواصل الروسية "VK"، ارتفع عدد المنشورات الترويجية للخدمة العسكرية التعاقدية الموجهة للأجانب بين يونيو وسبتمبر 2025 من 621 إلى 4,600 منشور، ما يعني أنه بحلول منتصف 2025 أصبح واحد من كل ثلاثة إعلانات عن عقود يخاطب الأجانب، مقارنة بنسبة 7% فقط في عام 2024.

ويفيد "المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية" بأن روسيا أنشأت، عبر شبكة غامضة من المجندين الإلكترونيين، قناة تنقل آلاف الأفارقة من معظم دول القارة إلى خطوط القتال الأمامية والمصانع التي تدعم المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا. ويقول المركز إن "هذه لم تكن الوجهات التي اعتقد الشباب الأفارقة أنهم متجهون إليها؛ فكثيرون كانوا يبحثون عن وظائف أو تدريب أو فرص في الخارج، واستدرجتهم وعود برواتب تغير حياتهم، لكنهم وجدوا أنفسهم عالقين في حرب بعيدة عن أوطانهم".

وفي أبريل، كشفت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية خطط الكرملين لتجنيد ما لا يقل عن 18,500 مرتزق أجنبي للقتال ضد أوكرانيا بحلول نهاية عام 2026، وأكد "مركز مكافحة المعلومات المضللة" في أوكرانيا أن "البيوت الروسية" تمثل عقداً رئيسية في هذه البنية التحتية السرية للتجنيد. وفي يونيو، أعلنت وزارة الخارجية الأوكرانية أن ما لا يقل عن 2,965 مواطناً من 36 دولة أفريقية شاركوا في القتال إلى جانب روسيا، مشيرة إلى أن وتيرة تجنيد الأفارقة تسارعت في عام 2024.

ولم تنجح كل محاولات التوسع؛ ففي سبتمبر 2024 اعتقلت السلطات في تشاد عناصر روسيين مباشرة بعد حفل افتتاح مركز "بيت روسي" مخطط له في نجامينا، في خطوة نادرة من حكومة أفريقية ضد محاولات موسكو ترسيخ وجودها. وفي تحقيق منفصل، حدد موقع "ذا كايبل" النيجيري 272 مواطناً نيجيرياً سجّلوا أسماءهم عبر قنوات مرتبطة بهذه الشبكات، توفي 55 منهم بحسب التقرير.

ماذا تقول الدول الأفريقية والكرملين؟

طالبت عدة دول أفريقية، بينها كينيا وغانا ونيجيريا، مراراً موسكو بتقديم توضيحات وإنهاء عمليات التجنيد غير القانونية لمواطنيها، غير أن وزارة الخارجية الروسية تجاهلت هذه المطالب. وعندما سُئل الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف عن تجنيد الأفارقة بطريقة خادعة لصالح الحرب في أوكرانيا، نفى أي تورط قائلاً في مايو: "لسنا على علم بأي حالات من هذا النوع".

ما هو الهدف النهائي لموسكو؟

تؤكد الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن فتح مزيد من "البيوت الروسية" في أفريقيا سيؤدي فقط إلى تكثيف عمليات التجنيد الروسية في القارة، موضحة أن الهدف النهائي لموسكو هو "تنشئة جيل كامل من الأفارقة الموالين أيديولوجياً، بغية التستر على استغلالها الاستعماري لبلدانهم واستخدامهم في الوقت نفسه مصدراً رخيصاً للعنصر البشري في الجيش". وتضرب مثالاً على ذلك السودان، حيث قامت مجموعات تسيطر عليها الكرملين، بحسب كييف، بتلويث موارد المياه بالزئبق نتيجة أنشطة تنقيب جشعة عن الذهب بأساليب تقليدية، مشيرة إلى أن "تلوثاً بهذا الحجم لا يمكن إزالته لسنوات، فهو سلاح بيئي ذو مفعول بطيء". وتضيف أن السكان المحليين يُنظر إليهم في هذا المخطط حصراً بوصفهم "أيدي عاملة رخيصة" سواء في الشركات الروسية العاملة داخل الدول الأفريقية أو في المصانع داخل روسيا نفسها.

المصدر: أوكرانيا بالعربية

مشاركة هذا المنشور:
أخبار مشابهة
سياسة
ماكرون: ترامب كان يعتقد أن أوكرانيا ستخسر الحرب
ماكرون: تغييرات مهمة حدثت خلال قمة مجموعة السبع
سياسة
زيلينسكي يبحث مع رئيس الوزراء البلغاري تقديم المزيد من الدعم لأوكرانيا
رئيس أوكرانيا يلتقي رئيس وزراء بلغاريا في بروكسل
سياسة
زيلينسكي يبحث مع توسك اندماج أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي
رئيس أوكرانيا يلتقي رئيس وزراء بولندا في بروكسل
سياسة
رئيس أوكرانيا ورئيس وزراء سلوفاكيا يناقشان التكامل الأوروبي والتعاون في مجال الطاقة
رئيس أوكرانيا يلتقي رئيس الوزراء السلوفاكي في بروكسل
الأخبار الرئيسية
سياسة
هجمات روسية على ثلاث مناطق أوكرانية تسفر عن مقتل طفلة وإصابة 14 شخصاً بينهم 4 أطفال
القصف يستهدف مباني سكنية ومرافق مدنية في دنيبروبتروفسك وخاركيف وزاباروجيا، مع أضرار في مدارس ومكاتب بريد ومحطات وقود
سياسة
حركة آتيش تكشف عن حالة ذعر بين القوات الروسية في شبه جزيرة القرم تحسباً لهجوم أوكراني
الاحتلال يعزز نقاط المراقبة والدوريات على السواحل وسط مخاوف من إنزال بحري، والجنود الروس يتبادلون الحديث عن "ضربة قوية" مرتقبة
سياسة
أستراليا تخصص 100 مليون دولار إضافية لأوكرانيا لشراء معدات عسكرية حيوية
كانبرا تقدم المساعدة على قسطين خلال 12 شهراً، ليرتفع إجمالي الدعم الأسترالي إلى أكثر من 1.8 مليار دولار
أخبار أخرى في هذا الباب
آراء ومقالات
انهيار روسيا ليس حدثاً مفاجئاً بل عملية أزمات متراكمة منذ تأسيس الاتحاد السوفيتي .. دراسة وتحليل كونستانتين ماتفينكو
العوامل الستة للتفكك: أزمة ديموغرافية، بنية تحتية متداعية، إنفاق حربي بنسبة 41% من الميزانية، فساد (المرتبة 157 عالمياً)، هجرة مليون شخص، وعزلة دولية غير مسبوقة
آراء ومقالات
80% من الروس أدركوا أن الحرب ستستمر طالما بوتين في السلطة .. دراسة وتحليل فاديم دينيسينكو
عالم السياسة الأوكراني يحلل العوامل الثلاثة التي أشعلت ثورة المطبخ في روسيا: تدهور المعيشة، انهيار آمال ترامب، وانقطاع الإنترنت – ويحذر: أوكرانيا لم تخلق بعد بديلاً مؤثراً لأيديولوجية "العالم الروسي"
آراء ومقالات
انتصارٌ للوئام الروحي.. الأوكرانيون يُظهرون مستوىً غير مسبوق من التسامح الديني
اختيار القراء
سياسة
أستراليا تخصص 100 مليون دولار إضافية لأوكرانيا لشراء معدات عسكرية حيوية
كانبرا تقدم المساعدة على قسطين خلال 12 شهراً، ليرتفع إجمالي الدعم الأسترالي إلى أكثر من 1.8 مليار دولار
سياسة
حركة آتيش تكشف عن حالة ذعر بين القوات الروسية في شبه جزيرة القرم تحسباً لهجوم أوكراني
الاحتلال يعزز نقاط المراقبة والدوريات على السواحل وسط مخاوف من إنزال بحري، والجنود الروس يتبادلون الحديث عن "ضربة قوية" مرتقبة
سياسة
زيلينسكي: المسار السريع لأوكرانيا نحو الاتحاد الأوروبي سيجرد روسيا من ذرائع زعزعة استقرار أوروبا
الرئيس الأوكراني يدعو لفتح المجموعات الخمس المتبقية في الأسابيع المقبلة ويؤكد: أوكرانيا دفعت ثمناً أكبر من أي دولة أوروبية أخرى مقابل حريتها
سياسة
هجمات روسية على ثلاث مناطق أوكرانية تسفر عن مقتل طفلة وإصابة 14 شخصاً بينهم 4 أطفال
القصف يستهدف مباني سكنية ومرافق مدنية في دنيبروبتروفسك وخاركيف وزاباروجيا، مع أضرار في مدارس ومكاتب بريد ومحطات وقود
تابعونا عبر فيسبوك
تابعونا عبر تويتر
© Ukraine in Arabic, 2018. All Rights Reserved.