تحالف الراغبين يُعدّ خمسة قرارات رئيسية لأوكرانيا في باريس

باريس تجمع المستعدين لفعل أكثر من مجرد التعاطف مع أوكرانيا
كييف/ أوكرانيا بالعربية/ يجتمع قادة "تحالف الراغبين" في باريس، في السادس من كانون الثاني/ يناير، لوضع اللمسات الأخيرة على مجموعة من القرارات التي ستحدد طبيعة الدعم الغربي لأوكرانيا في حال التوصل إلى وقف إطلاق النار، وماذا سيحدث إذا حاولت روسيا إشعال حرب جديدة.
ووفقًا لقصر الإليزيه، اتفق الحلفاء على حزمة من خمسة محاور، تشمل إنشاء وجود عسكري متعدد الجنسيات على الأراضي الأوكرانية، والتزامات محددة للتصدي لأي عدوان روسي جديد، وتعاون دفاعي طويل الأمد.
بالنسبة لكييف، لا يُعدّ هذا مجرد إعلان آخر، بل هو في أحسن الأحوال انتقال من "المساعدة بعد وقوع الحدث" إلى نظام لمنع نشوب حرب أخرى.
التحالف يحدد خمس نقاط لأوكرانيا
أكد مصدر من قصر الإليزيه، لم تكشف هويته، أن المشاركين في التحالف اتفقوا قبل اجتماع باريس على حزمة من خمسة قرارات بشأن أوكرانيا، وهي:
• وقف إطلاق النار وآليات لمراقبة الالتزام به؛
• استمرار دعم القوات المسلحة الأوكرانية (التسليح، والتدريب، والاستخبارات، وتمويل الدفاع)؛
• آلية لنشر قوات متعددة الجنسيات على الأراضي الأوكرانية بمثابة "قوات ضمان"؛
• التزامات بشأن تحركات الحلفاء في حال وقوع عدوان روسي جديد على أوكرانيا؛
• تعاون دفاعي طويل الأمد وإعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الأوكرانية.
ووفقًا للمصدر، فإن الهدف الرئيسي من اجتماع باريس ليس توقيع "سلام بأي ثمن"، بل الاتفاق على إطار عمل لتحركات التحالف المحتملة، ثم تفصيله مع الولايات المتحدة.
أُعدّت الوثائق التي دخل بها القادة إلى غرفة المفاوضات قبل أيام في كييف وباريس من قِبل مستشاري الأمن القومي والممثلين العسكريين للدول المشاركة.
النقطة الأولى: وقف إطلاق نار دون أوهام "ضمانات أمنية"
تُعدّ معايير وقف إطلاق النار المحتمل من أكثر النقاط حساسية. تُقرّ باريس صراحةً بأنّ الأمر لا يتعلّق بـ"ضمانات أمنية" بالمعنى المقصود في المادة 5 من حلف الناتو، بل بأمور فنية، وإن كانت بالغة الأهمية، كجهة المراقبة، وكيفية المراقبة، وبأي أدوات.
ووفقًا لدبلوماسيين غربيين، سيناقش القادة نظام المراقبة (البعثات البرية، والمراقبة التقنية، والطائرات المسيّرة، وبيانات الأقمار الصناعية)، وإجراءات التفتيش، ومراكز التحكم المشتركة.
النقطة السياسية الأساسية هنا واضحة: كييف غير مستعدة لقبول "نزاع مُجمّد"، تكسب فيه روسيا الوقت والموارد لشنّ هجوم جديد، ولذلك تُصرّ على أن يكون أيّ وقف لإطلاق النار ضمن إطار ضمانات حقيقية، لا اسمية.
بالنسبة للأوروبيين، يُمثل هذا اختبارًا أيضًا: مدى استعدادهم لتجاوز دور المراقب الخارجي وتحمّل مسؤولية مراقبة ما سيحدث على خط التماس.
النقطة الثانية: دعم القوات المسلحة الأوكرانية باعتبارها "خط الضمان الأول"
يتعلق المحور الثاني باستمرار دعم القوات المسلحة الأوكرانية، وفي باريس، ينبغي ترسيخ النهج القائل بأن الجيش الأوكراني يبقى الضامن الرئيسي لأمن الدولة حتى في حال المفاوضات وهدنة على الجبهة.
ووفقًا لوسائل الإعلام الغربية، تشير الوثائق إلى برامج إمداد طويلة الأجل بالأسلحة، ومهام تدريب مشتركة، وتبادل معلومات استخباراتية، وآليات مالية لدعم ميزانية الدفاع الأوكرانية.
ولا يقتصر الأمر على استمرار برامج الإعارة والتأجير فحسب، بل يشمل أيضًا اندماج أوكرانيا في النظام البيئي الأوروبي للصناعات الدفاعية: الإنتاج المشترك للذخيرة، وإصلاح وتحديث المعدات، والمشاريع المشتركة في مجال الدفاع الجوي وتقنيات الصواريخ.
بالنسبة لكييف، تُمثل هذه فرصةً للانتقال من تقديم مساعدات متفرقة إلى نظام شراكة دفاعية مستدامة ومتبادلة المنفعة.
النقطة الثالثة: القوات متعددة الجنسيات على الأراضي الأوكرانية
يُعدّ نشر القوات متعددة الجنسيات على الأراضي الأوكرانية العنصر الأبرز في هذه الحزمة. ووفقًا لمصادر أوكرانية، فإلأمر يتعلق بما يُسمى قوات الطمأنينة، التي يُمكن أن تتواجد برًا وجوًا وبحرًا. وهي ليست قوات الأمم المتحدة التقليدية، بل هي قوة من دول "تحالف الراغبين"، مُكلّفة بأداء عدة مهام في آنٍ واحد: المراقبة، والردع، وتوجيه رسالة إلى روسيا مفادها أنه "لن يكون من الممكن العودة بهذه السهولة".
في الخريف الماضي، صرّح إيمانويل ماكرون بأن 26 دولة قد وافقت رسميًا على تقديم قوة لأوكرانيا أو توفير دعم جوي أو بحري، ويبلغ إجمالي عدد الدول المشاركة في هذا المخطط 35 دولة.
بالنسبة لكييف، تكمن القضية الأساسية في ضرورة التزام القوتين الرئيسيتين، فرنسا والمملكة المتحدة، بالمشاركة في العمليات البرية؛ فبدون ذلك، فإن أي صيغة لحفظ السلام تُصبح مجرد حبر على ورق.
النقطة الرابعة: ماذا سيحدث إذا عادت روسيا؟
تتعلق النقطة الرابعة بأكثر القضايا إيلامًا للمجتمع الأوكراني، ألا وهي: كيف سيتصرف الحلفاء تحديدًا في حال وقوع عدوان روسي جديد بعد إبرام اتفاقيات وقف إطلاق النار؟ نتحدث هنا عن التزامات مُقننة وموثقة، ينبغي أن تتخذ شكل معاهدة متعددة الأطراف أو اتفاقيات موازية مع دول التحالف الرئيسية.
ووفقًا لمصادر غربية، تُناقش الخيارات التالية: فرض مستوى جديد من العقوبات تلقائيًا على روسيا الاتحادية في حال انتهاك وقف إطلاق النار، والنشر السريع لقوات إضافية من التحالف في أوكرانيا، وضمان وصول الأسلحة والذخائر إلى كييف بوتيرة متسارعة.
بالنسبة للحلفاء، تُعد هذه طريقة لإظهار أنهم لن يكرروا أخطاء عام 2014، عندما كان رد الفعل على ضم شبه جزيرة القرم وبدء الحرب في الدونباس متأخرًا وغير حاسم بما فيه الكفاية.
النقطة الخامسة: التعاون الدفاعي والاقتصادي طويل الأمد
يُعدّ التعاون الدفاعي طويل الأمد العنصر الخامس في هذه الحزمة، والذي من شأنه أن يُرسّخ مكانة أوكرانيا كشريك أمني رئيسي لأوروبا لعقود قادمة.
إلى جانب البُعد العسكري، يشمل هذا العنصر الدعم الاقتصادي للتعافي، ولا سيما حزمة متفق عليها من المساعدات المالية الكلية وأدوات تأمين الاستثمارات في الدولة التي تشهد حربًا.
ووفقًا للمفاوضين الأوكرانيين، فقد اتفق الشركاء بالفعل على حزمة اقتصادية إطارية تُقدّر بنحو 800 مليار دولار، والتي ينبغي تنفيذها من خلال مزيج من التمويل العام والاستثمارات الخاصة والأصول الروسية المُجمّدة.
بالنسبة لكييف، من الأهمية بمكان ألا تبقى هذه الالتزامات مجرد خطط، بل أن تكون مرتبطة بجدول زمني ومعايير مالية محددة.
السياق: اجتماع المستشارين في كييف ودور الولايات المتحدة
كان اجتماع باريس امتدادًا منطقيًا لاجتماع مستشاري الأمن القومي لـ"تحالف الراغبين"، الذي عقده فولوديمير زيلينسكي في كييف في 3 كانون الثاني/ يناير. في ذلك الوقت، اجتمع ممثلو 18 دولة في مكتب الرئيس للاتفاق على مقاربات الضمانات الأمنية المستقبلية، ووضع التفاصيل الفنية التي ستُعرض على قادة الدول في باريس اليوم.
بالتوازي، عُقدت مشاورات في باريس بين رؤساء الأركان العامة للدول المشاركة، بهدف توضيح المعايير العسكرية للحلول الممكنة.
ويُمثل الولايات المتحدة بُعدًا منفصلاً. إذ يُمثل واشنطن مستشار الرئيس دونالد ترامب ستيف ويتكوف، ومبعوثه الخاص، بالإضافة إلى جاريد كوشنر، العضو في فريق التفاوض ضمن عملية السلام.
رسميًا، لا تُعد الولايات المتحدة جزءًا من "تحالف الراغبين"، ولكن بدون الموقف الأمريكي، لن تتمكن أي من العناصر الرئيسية - من العقوبات إلى القوات متعددة الجنسيات - من العمل بكامل طاقتها.
لماذا باريس: دور ماكرون وتطور "تحالف الراغبين"
على مدى العامين الماضيين، أكدت فرنسا باستمرار دورها كمهندس للحلول الأمنية الأوروبية لأوكرانيا. في باريس في فبراير 2024، أُعلن عن إنشاء "تحالف الراغبين"، الذي كان من المفترض أن يكون منصةً للدول المستعدة للنظر في نشر قوة عسكرية في أوكرانيا أو الانخراط بشكلٍ فعّال في أمنها.
وصرح ماكرون حينها صراحةً بأنه لا يستبعد إرسال قوات فرنسية، الأمر الذي أثار موجةً من الانتقادات في الداخل، لكنه حوّل مسار النقاش نحو عملٍ أكثر فاعلية.
ومنذ ذلك الحين، ازداد عدد الدول المستعدة للانضمام إلى مثل هذه التشكيلات: فبحسب ماكرون، وبحلول خريف 2025، وافقت 26 دولة بالفعل إما على إرسال قوة عسكرية أو تقديم الدعم البحري والجوي، وشكّل المخطط السياسي والعسكري العام لمشاركة 35 زعيماً أساس القرارات الحالية.
وتُعدّ قمة باريس في 6 كانون الثاني/ يناير، في جوهرها، محاولةً لتحويل هذا الهيكل، الذي لا يزال مرناً إلى حدٍ ما، إلى نظام ضمانات أكثر رسمية.
كيف يبدو الوضع من كييف: المخاطر والفرص
بالنسبة لأوكرانيا، يُمثل "تحالف الراغبين" فرصةً ومصدرًا للمخاطر في آنٍ واحد. فرصةٌ لأن الغرب، ولأول مرة منذ عشر سنوات من الحرب، لا يتحدث فقط عن تزويدها بالأسلحة "للردع"، بل أيضًا عن بنية سياسية وعسكرية تجعل أي عدوان روسي جديد مكلفًا للغاية وغير مرجح.
أما الخطر فيكمن في أن أي صيغة لوقف إطلاق النار، حتى مع القوات متعددة الجنسيات، قد تتحول إلى تجميد للنزاع إذا كانت الضمانات غامضة أو غير مكتملة.
تُظهر تصريحات زيلينسكي في الأيام الأخيرة إدراكه لهذه المعضلة: فهو يُصر على أنه لا يمكن فرض أي قيود على شكل وقدرات الجيش الأوكراني في إطار الاتفاقيات المستقبلية، وأن أي تنازلات لا تتعلق بالتنازل عن الأراضي، بل بأدوات استعادتها وحمايتها.
من الأهمية بمكان لكييف ألا تُصبح حزمة باريس "سقفًا" لا يتجاوزه الحلفاء، بل حدًا أدنى لتعزيز القوات.
الخطوة التالية: من قرارات باريس إلى الضمانات الحقيقية
من المتوقع اتخاذ عدة خطوات لاحقة بعد اجتماع باريس. أولًا، تفصيل القرارات في اجتماعات وزراء الدفاع والخارجية ورؤساء الأركان، حيث من المفترض أن تظهر أرقام محددة، ومسارات، وجداول نشر، وتمويل.
ثانيًا، إجراء مشاورات مع واشنطن، والتي بدونها ستظل أدوات الضغط بالعقوبات وبعض المكونات العسكرية غير مكتملة.
سيعتمد نجاح "تحالف الراغبين" على ثلاثة عوامل: الإرادة السياسية للعواصم الرئيسية، والقدرة على إضفاء الطابع المؤسسي على صيغ أمنية جديدة، واستعداد الأوكرانيين أنفسهم لاتخاذ قرارات صعبة بشأن تحديد الخط الفاصل بين "التنازلات غير المقبولة" و"الخطوات الضرورية للحفاظ على الدولة".
لا تُمثل نقاط باريس الخمس سوى الخطوط العريضة الأولى لهذا التكوين، ولكن من الواضح بالفعل: من يجلس على طاولة المفاوضات نيابةً عن أوكرانيا سيتمتع بموقف أقوى بكثير مما كان عليه في عام 2014.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
