لماذا تستثمر النرويج في الأمن الأوكراني؟ .. دراسة وتحليل ماكسيم بليشكو

من المساعدات الطارئة إلى الشراكة الاستراتيجية: كيف ترى أوسلو أن استقرار كييف يقيّد القدرات الروسية ويحمي مصالح النرويج في القطب الشمالي
كييف/ أوكرانيا بالعربية/ صرح الرئيس الأوكراني مؤخراً بأن أمن أوروبا يتطلب تعاوناً أوثق مع دول ليست أعضاءً في الاتحاد الأوروبي حالياً، مشيراً إلى أن "بريطانيا العظمى وأوكرانيا وتركيا والنرويج" تشكل معاً قوة تفوق قوة روسيا بعشرة أضعاف. هذا الموقف ليس مجرد تصريح عشوائي، بل هو جزء من استراتيجية أوكرانية متكاملة، تجد جذورها في تحولات جيوسياسية عميقة، أبرزها الحرب في الشرق الأوسط، والتصريحات حول احتمال انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو، وسياسات دونالد ترامب.
هذا المقال يركز على أحد هؤلاء الشركاء المحوريين: مملكة النرويج.
من المساعدات الطارئة إلى التخطيط الاستراتيجي
بعد الغزو الروسي الشامل، سارعت النرويج - وهي دولة مجاورة لروسيا تدرك حجم التهديد جيداً - إلى دعم أوكرانيا. في البداية، تركزت المساعدات على نقل أنظمة صواريخ محمولة مضادة للطائرات، وأسلحة مضادة للدبابات، وذخائر من العيار السوفيتي وعيار الناتو، بالإضافة إلى معدات واتصالات ووسائل حماية.
بحلول عام 2024، أصبح التمويل أكثر انتظاماً، مع تركيز على الدفاع الجوي (بما في ذلك نظام NASAMS)، والأنظمة غير المأهولة، وتعزيز الأمن البحري. بلغ إجمالي المساعدات العسكرية النرويجية حوالي 1.8 مليار يورو بحلول مطلع 2025، في إطار "برنامج نانسن لدعم أوكرانيا"، وهي آلية طويلة الأجل سُميت تيمناً بالحائز على جائزة نوبل فريدجوف نانسن.
لكن الفترة 2025-2026 شهدت تحولاً نوعياً. انتقلت النرويج من تقديم مساعدات جاهزة إلى التخطيط الاستراتيجي لحرب استنزاف، فأضافت 50 مليار كرونة نرويجية (2.65 مليار يورو) في 2025، و70 مليار كرونة (3.7 مليار يورو) في 2026. ومن المتوقع أن يتجاوز إجمالي الدعم المالي بحلول نهاية 2026 مبلغ 19.4 مليار يورو، بالإضافة إلى 400 مليون دولار للطاقة و200 مليون دولار لدعم الميزانية.
لماذا أوكرانيا بهذه الأهمية بالنسبة للنرويج؟
لفهم هذا التحول، يجب النظر إلى الجغرافيا والواقع العسكري والسياسي، لا التصريحات. النرويج ليست مجرد دولة مستقرة ومتقدمة؛ إنها:
عنصر أساسي في الجناح الشمالي لحلف الناتو.
مصدر رئيسي لموارد الطاقة في أوروبا.
دولة تواجه الوجود العسكري الروسي مباشرة قرب مياهها الإقليمية وحدودها البرية.
يمثل القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي منطقة تضارب مصالح مباشر بين روسيا والنرويج، يؤثر على جميع المجالات: الموارد، والاتصالات البحرية، وقواعد القوات الاستراتيجية الروسية، والسيطرة على الوصول إلى المحيط.
نموذج أرخبيل سبيتسبيرجن (سفالبارد)
هذا الأرخبيل يخضع لسيادة النرويج منذ عام 1920، لكن روسيا (والاتحاد السوفيتي قبلاً) تتمتع بحقوق خاصة بموجب المعاهدة الدولية. تهدف موسكو إلى:
الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في منطقة منزوعة السلاح تابعة للناتو.
السيطرة على الممرات البحرية في القطب الشمالي.
امتلاك مبررات للطعن في سيطرة النرويج على الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
في المقابل، يُعد الأرخبيل نقطة تمكن النرويج (وحلف الناتو) من مراقبة المياه المجاورة (بحر بارنتس، البحر النرويجي، بحر غرينلاند) التي تمر عبر مسارات خروج القوات الاستراتيجية الروسية من شبه جزيرة كولا. السيطرة على هذه الحركة ذات أهمية بالغة لأمن الشمال بأكمله.
أوكرانيا: الجناح الجنوبي لمنطقة استراتيجية واحدة
بناءً على هذا المنطق، فإن الصراع في أوكرانيا ليس "جبهة أخرى" بالنسبة للنرويج، بل هو الجناح الجنوبي لمنطقة استراتيجية واحدة. فاستقرار أوكرانيا في المستقبل يُقيّد جزءاً كبيراً من الموارد الروسية، ويُحدّ من قدرتها على العمل في اتجاهات أخرى، بما في ذلك القطب الشمالي. بالنسبة للنرويج، لا يتعلق الأمر بالتضامن، بل بأمنها الخاص.
التعاون الأمني: شراكة متكاملة لا مساعدات باتجاه واحد
اليوم، التعاون الأوكراني-النرويجي هو بالفعل تفاعل ثنائي متكامل:
تدريب الجيش وتبادل الخبرات: دربت النرويج القوات الأوكرانية بدءاً من قادة الوحدات وصولاً إلى مشغلي نظام NASAMS، وأصبحت هذه العملية الآن ثنائية.
تطوير الأنظمة: أظهر الاستخدام العملي لنظام NASAMS في أوكرانيا قدرة النظام على العمل بكفاءة في سيناريوهات أكثر تعقيداً، مما أثر على استراتيجيات استخدامه في النرويج نفسها.
الإنتاج المشترك للطائرات المسيرة: في نهاية 2025، تم توقيع اتفاقية لإنتاج طائرات بدون طيار في النرويج، تدمج الخبرات القتالية الأوكرانية في حلول تكنولوجية جديدة.
التواصل الاستراتيجي: يشمل التفاعل على مستوى هيئات الأركان العامة، والنهج المشتركة للاتصالات الاستراتيجية، وحتى الاتصالات الشخصية بين القائدين العامين - الجنرالين أولكسندر سيرسكي وإريك كريستوفرسن.
خلاصة
تجاوزت العلاقات الأوكرانية-النرويجية مرحلة "المتبرع والمتلقي" لتتحول إلى شراكة استراتيجية قائمة على التكامل والمصالح الجيوسياسية المشتركة. فالنرويج ترى في دعم أوكرانيا استثماراً في أمنها القطبي، وفي تقييد القدرات الروسية التي تهدد مصالحها الحيوية في الشمال. هذا المنطق العملي هو ما يفسر حجم التمويل غير المسبوق، والتحول النوعي في طبيعة المساعدات، وعمق التنسيق العسكري. بالنسبة لأوسلو، أوكرانيا ليست مجرد شريك مدين، بل حليف استراتيجي على خط المواجهة المشترك مع التهديد الروسي.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
