فرنسا تنشر مظلة نووية فوق أوروبا.. كيف سيتغير أمن القارة في ظل التهديدات الروسية؟

باريس تفتح حواراً استراتيجياً مع وارسو حول تقاسم المسؤولية النووية، وسط تحذيرات صينية لموسكو وتراجع الاعتماد الأوروبي على واشنطن
كييف/ أوكرانيا بالعربية/ في خطوة تعكس تحولاً تاريخياً في بنية الأمن الأوروبي، عقدت فرنسا وبولندا أول اجتماع لفريق التنسيق المشترك للتعاون النووي في باريس، وذلك في إطار مبادرة الرئيس إيمانويل ماكرون لتعزيز الردع الأوروبي في مواجهة التهديدات الروسية. وأكدت وزارة الخارجية البولندية أن الجانبين اتفقا على مواصلة العمل على استراتيجية مشتركة لتعزيز الجناح الشرقي لحلف الناتو والتنسيق في مجال الأمن النووي، مع التأكيد على أن الأمر لا يتعلق بإنشاء ترسانة نووية أوروبية موحدة، بل بتقديم "مظلة نووية" فرنسية للحلفاء وتقاسم المسؤولية الأمنية.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "نحن نجري حواراً منظماً مع عشر دول، مما يسمح لنا حقاً بتقديم حلول جديدة ويضع منافسينا أمام معضلات استراتيجية. وهذا التحالف هو تحالف للسلام والتوازن، يهدف إلى ضمان السلام في القارة الأوروبية".
التحول الأوروبي نحو الاستقلالية النووية
يرى المحللون أن الوضع الحالي يشهد تحولاً تاريخياً في مفهوم "الدرع النووي" الأوروبي، يتمثل في الابتعاد التدريجي عن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة في المسائل الأمنية، لصالح بناء هيكل ردع أوروبي مستقل. وتأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه روسيا تهديداتها النووية ضد جيرانها، ما يجعل إنشاء مثل هذا الهيكل ضرورة استراتيجية لأوروبا. وتضم فرنسا حالياً أكثر من 300 صاروخ نووي موزعة على السفن والغواصات والطائرات، مع خطط لزيادة ترسانتها.
الموقف الصيني والتحذيرات لموسكو
في سياق متصل، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الصين وجهت تحذيراً "فعلياً" و"صارماً" وحتى "إنذارياً" لروسيا بشأن عدم جواز حتى التفكير في استخدام الأسلحة النووية. وقال زيلينسكي خلال لقاء مع صحفيين على هامش قمة الناتو في أنقرة: "الوضع تغير قليلاً هنا. من المهم جداً التأكيد على أنه ليس فقط الأوروبيون والأمريكيون، ولكن أيضاً الصين، وللمرة الأولى على ما يبدو، ردت بشكل واضح وصارم للغاية، بل وبصيغة إنذارية، بأنه لا يمكن أن يكون هناك حتى تفكير في استخدام الأسلحة النووية".
وكان الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب قد صرح لشبكة CNBC بأنه ناقش الملف النووي مع وزير الخارجية الصيني، مشيراً إلى أن الجانب الصيني كان "قاسياً جداً" في تأكيده أن روسيا لن تستخدم السلاح النووي، لكنه حذر في الوقت نفسه من مخاطر التصعيد التي يجب التعامل معها بجدية.
التهديد النووي كورقة ضغط
من جانبه، اعتبر الخبير في شؤون الشرق الأوسط، فياتشيسلاف ليخاتشوف، أن التهديدات النووية الروسية هي مجرد "ورقة ضغط" تستخدم طالما لم تُنفذ، مشيراً إلى أن الكرملين ليس مستعداً لخوض حرب عالمية ثالثة. وقال: "كانت هناك تقديرات مختلفة، بما في ذلك أدلة على أن بوتين فكر جدياً في ذلك في نهاية صيف وبداية خريف 2022. لكن يبدو لي أن الابتزاز النووي يكون مفيداً طالما لم تستخدم هذا الخيار، مثل أي ابتزاز آخر. في الكرملين، لا يريدون الانجرار إلى حرب نووية عالمية ثالثة. إنهم يحبون الحياة كثيراً ويعتزمون العيش طويلاً، إن لم يكن إلى الأبد. لذلك، لم يكن أحد يعتزم استخدام الأسلحة النووية بجدية. لكن مجرد هذه الخطابية حول استخدام الأسلحة النووية، بالطبع، مزعجة".
دور الصين المحتمل في إنهاء الحرب
يرى المحللون أن الصين قادرة فعلياً على إجبار الديكتاتور الروسي على إنهاء الحرب، لكن رئيس مكتب الرئيس الأوكراني، كيريلو بودانوف، يعتقد أن بكين لا تزال مهتمة باستمرار العمليات القتالية حالياً. وأكد بودانوف أن العمل المنسق بين أوكرانيا وشركائها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، هو السبيل الوحيد لوقف العدوان الروسي. وتنفي الصين رسمياً أي دعم لروسيا، حيث وصفته المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ مؤخراً بأنه "افتراء لا أساس له".
آفاق الحل الدبلوماسي
في ظل هذه التطورات، يبدو أن أوروبا تسير بخطى ثابتة نحو تعزيز استقلاليتها الدفاعية، مع الاعتراف بأن الضغط الدبلوماسي المتزامن مع تعزيز القدرات الردعية هو السبيل الأكثر فعالية لردع التهديدات الروسية. ويبقى السؤال حول مدى استعداد الكرملين للجلوس إلى طاولة المفاوضات، في وقت تشير فيه المعطيات إلى استمرار موسكو في سياسة التصعيد اللفظي والعسكري.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
