أوكرانيا بالعربية | الحرب الباردة السعودية الايرانية تنسف جهود الحل السياسي في سوريا واليمن وتعيد الاوضاع الى المربع الاول... بقلم عبد الباري عطوان | مقالات عبد الباري عطوان

المنطقة تشهد حاليا اجواء حرب باردة، تسخن بشكل تدريجي، على ارضية الصراع السعودي الايراني المتأجج، ابتداء من قطع العلاقات وانتهاء بوقف الرحلات الجوية، وهذا كله، وما يمكن ان يتفرع عنه، قد ينعكس بشكل او باخر على القضايا والحروب الاقليمية، وخاصة في سورية واليمن، بل والمنطقة بأسرها

كييف/أوكرانيا بالعربية/المنطقة تشهد حاليا اجواء حرب باردة، تسخن بشكل تدريجي، على ارضية الصراع السعودي الايراني المتأجج، ابتداء من قطع العلاقات وانتهاء بوقف الرحلات الجوية، وهذا كله، وما يمكن ان يتفرع عنه، قد ينعكس بشكل او باخر على القضايا والحروب الاقليمية، وخاصة في سورية واليمن، بل والمنطقة بأسرها.

لم تعد الحرب للقضاء على “الدولة الاسلامية” تتصدر الاهتمام الاقليمي والدولي بالشكل الذي كانت عليه قبل أسابيع فقط، كما ان الآمال ببدء مفاوضات بين الحكومة السورية والمعارضة المسلحة في غضون اسبوعين للاتفاق على حكومة وحدة وطنية وصلاحياتها تمهيدا للوصول الى الانتخابات، والدستور، والحل السياسي في نهاية المطاف، كلها تبخرت وعادت الازمة السورية بالتالي الى المربع الاول، ولو الى حين.

المملكة العربية السعودية تتعمد التصعيد الدبلوماسي، والتحشيد السني، في مواجهة ايران التي تميل الى التهدئة للحفاظ على مكاسبها الاستراتيجية في سوريا من خلال تحالفها مع روسيا، وما نتج عنه من تقدم على الارض، وفي اليمن من خلال توريط خصمها السعودي في اليمن، واستخدام الاقليات الشيعية في الخليج كورقة ضغط وتهديد اضافية، وربما ايضا لتحويل الانظار عن تعثر "عاصفة الحزم"، وتفاقم حالة التململ الداخلي نتيجة لذلك، ولاوضاع اقتصادية متراجعة.

النهج السعودي الراهن يتعمد محاولة افساد كل ما حققته ايران من مكتسبات بسبب نجاحها في عقد اتفاق نووي مع الدول الست العظمى يؤدي الى رفع الحصار عنها، وعودتها بالتالي كقوة "مقبولة" وليس "ارهابية" الى المجتمع الدولي، فهذه العودة الايرانية التي ستبدأ في منتصف العام الجديد "نظريا" ستعني العودة الى الاسواق النفطية، واسترداد مليارات من الدولارات مجمدة، وشراء اسلحة جديدة متقدمة من روسيا والصين على وجه الخصوص.

اعدام المرجع الشيعي السعودي نمر باقر النمر يوم السبت الماضي كان احد اركان هذا النهج في صيغته التكتيكية، ورد الفعل الايراني المتهور بحرق السفارة السعودية في طهران اكد نجاحه، ووقوع ايران في مصيدته في التوقيت الخطأ، مع تسليمنا المسبق، بأن ايران ليست بريئة مطلقا من توظيف الورقة الطائفية لخدمة مصالحها.

الخطة السعودية نجحت في استفزاز ايران، وصب كمية هائلة من البنزين على التأزيم الطائفي، لكنها لم تحقق النجاح نفسه على صعيد التحشيد والتعبئة، للحكومات السنية على الاقل في مواجهة ايران، فتركيا التي دخلت قبل اسبوع في مجلس تعاون استراتيجي مع السعودية لم تغلق سفارة، ولم تسحب سفيرها في طهران، وادارت وجهها الى الناحية الاخرى، واخفت موقفها في النأي عن النفس، بإعرابها عن الاستعداد للتوسط بين طرفي الصراع السعودي الايراني للوصول الى تسوية، اما الكويت، العضو المؤسس في مجلس التعاون الخليجي فلم تقطع علاقات مع ايران هي الاخرى، واكتفت باستدعاء سفيرها في طهران للتشاور، ولم تطرد السفير الايراني وتغلق سفارته، مثلما فعلت البحرين، او تخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي الى المستوى القائم بالاعمال، مثلما فعلت الامارات.

خيبة الامل السعودية من حالة "الفتور" في محيطها الخليجي والعربي، دفعتها للاقدام على خطوتين: الاولى توجيه الدعوة الى اجتماع طارىء لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض السبت، واخرى لعقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة في القاهرة لتصعيد عملية التحشيد السياسي العربي والخليجي في مواجهة ايران.

المتشددون في الجانبين السعودي والايراني هم ابرز المستفيدين من اعمال التصعيد والتحشيد الطائفي هذه، اما الخاسرون فهم العقلاء والمعتدلون الذين يدركون حجم المخاطر، ويقيمون نتائجها الكارثية جيدا، ومن يتابع اعمال التحريض الطائفي على الانتقام والثأر في وسائل الاعلام الايرانية والسعودية يدرك جيدا ما نقول.

فرص الحل السياسي للازمة السورية تراجعت الى الدرك الاسفل، والجهود التي بذلت لتحسينها طوال النصف الثاني من العام الماضي، ذهبت ادراج الرياح، والمعارضة السورية التي تسيطر عليها وقرارها المملكة العربية السعودية، وتتخذ من الرياض مقرا لها ستتشدد اكثر في مواقفها بإيعاز سعودي مرفوق بوعود بتزويد فصائلها المقاتلة على الارض بأسلحة حديثة متقدمة.

تنظيما “الدولة الاسلامية” و”القاعدة” في كل من العراق وسورية واليمن سيخرجان اكثر قوة من هذه الحرب الطائفية الباردة التي بدت امرا واقعا في المنطقة، فالتحريض الطائفي للسنة من قبل السعودية قد يؤدي الى زيادة دعم ابناء الطائفة في العراق وسورية لـ”الدولة الاسلامية”، وتدفق متطوعين اليها من مختلف انحاء العالم الاسلامي، بعد خسارتها لمدينة الرمادي او معظمها، واعدام 42 متهما من عناصر “القاعدة” من قبل السعودية يوم السبت الماضي قد يؤدي الى انهاء “هدنة” غير معلنة من قبل التنظيم مع قوات التحالف السعودي في اليمن، وما حدث من تصعيد من قبل هذا التنظيم في الهجمات ضد التحالف في عدن طوال اليومين الماضيين، ونجاة محافظي عدن ولحج من محاولة اغتيال بسيارة ملغومة بأعجوبة، هو احد الادلة، وبداية التحرك الهجومي المتوقع تصاعده.

المنطقة تعيش حاليا على حافة هاوية حرب طائفية، سنية وشيعية، او هكذا يراد لها ان تكون، وهي حرب اذا اندلعت، واحتمالات اندلاعها هي الاكبر، ستطيح بأنظمة، وتغير حدودا، وتقسم دول كانت تعتقد انها محصنة من الثورة والتقسيم، بل والتفتيت.. والايام بيننا.

عبد الباري عطوان

رئيس تحرير ومؤسس صحيفة "راي اليوم" الالكترونية
محلل سياسي وكاتب عربي

المصدر: أوكرانيا بالعربية



مشاركة هذا المنشور:
الأخبار الرئيسية
سياسة
القوات المسلحة الأوكرانية تضرب منشآت عسكرية روسية استراتيجية وتحيّد راداراً حيوياً للدعم الجوي
سيكورسكي لـ لافروف في مجلس الأمن: يمكنكم قتل المزيد.. لكنكم لن تنتصروا
سياسة
القوات المسلحة الأوكرانية تنفذ سلسلة ضربات نوعية وتدمر راداراً حيوياً ومستودعات إمداد للاحتلال
القوات المسلحة الأوكرانية تُعطّل راداراً حيوياً وتدمر مستودع ذخيرة للجيش الروسيك
سياسة
زيلينسكي يُعلن عن جولة محادثات مرتقبة لدعم الدفاع الجوي ويكشف تفاصيل حزم تسليح ومالية جديدة
الاتحاد الأوروبي يقر حزمة دعم جديدة لأوكرانيا بقيمة 3 مليارات يورو والنرويج تنضم للبرنامج بـ 92 مليوناً
أخبار أخرى في هذا الباب
آراء ومقالات
كيف تستخدم الدعاية الروسية رواية الأعداء المحيطين لتبرير استمرار الحرب.. تحليل يوري بوهدانوف
خبراء سياسيون وإعلاميون يشرحون كيف يلجأ الكرملين إلى تزوير الحقائق واختلاق التهديدات الخارجية لتبرير الحرب، وسط مؤشرات على استعداد روسيا للتصعيد حتى عام 2027، واتهامات مباشرة للغرب بتقويض جهود السلام
آراء ومقالات
قمة G20 في ميامي.. كيف ستكشف مشاركة بوتين عن نيته الحقيقية في التفاوض؟.. تحليل خبراء
خبراء سياسيون واقتصاديون يحللون أبعاد قمة العشرين المرتقبة في ميامي، وأهمية مشاركة بوتين كاختبار حقيقي لنيته في التفاوض، وسط ضغوط متزايدة على دول الجنوب العالمي، ومطالبات لأوكرانيا بفرض ضغوط على الصين والهند لوقف تمويل الحرب
آراء ومقالات
ما هي الرسائل الرئيسية لقمة منصة القرم؟.. تحليل ريزا شيفكييف
عضو مجلس الممثلين لتتار القرم يشرح أبعاد القمة السادسة لمنصة القرم، ويؤكد أن استعادة شبه الجزيرة تمثل شرطاً أساسياً لإنهاء العدوان الروسي، ويحذر من سياسة موسكو الهادفة إلى طمس هوية تتار القرم
تابعونا عبر فيسبوك
تابعونا عبر تويتر
© Ukraine in Arabic, 2018. All Rights Reserved.