أوكرانيا بالعربية | الفلسفة والصوفية وعلاقتهما بالتدين... بقلم د. عادل عامر

قد يوحي المشهد الفلسفي اليوم بهامشية التفلسف الإسلامي أو تبعيته التي لا مفر منها. فقضايا الفلسفة المعاصرة منذ نشأتها لم تفارق مجال الثقافة الغربية، والمرجعية التاريخية والنفسية، فقادت مطارحاتها تجاذبات المثالية والواقعية والبنيوية والاشتراكية والليبرالية وما إلى ذلك. ولئن نجحت الفلسفة الغربية المعاصرة في استقطاب وتطويع الاهتمام الفلسفي من خارجها لأجندتها، فإنها لم تبرهن كثيراً على تعدد في المصادر المعرفية والحضارية، ومسايرة لتطور الإنسانية نحو التعبير أكثر فأكثر على الهويات الفكريات الجماعية المتعددة بما في ذلك الإسلامية.

كييف/أوكرانيا بالعربية/قد يوحي المشهد الفلسفي اليوم بهامشية التفلسف الإسلامي أو تبعيته التي لا مفر منها. فقضايا الفلسفة المعاصرة منذ نشأتها لم تفارق مجال الثقافة الغربية، والمرجعية التاريخية والنفسية، فقادت مطارحاتها تجاذبات المثالية والواقعية والبنيوية والاشتراكية والليبرالية وما إلى ذلك. ولئن نجحت الفلسفة الغربية المعاصرة في استقطاب وتطويع الاهتمام الفلسفي من خارجها لأجندتها، فإنها لم تبرهن كثيراً على تعدد في المصادر المعرفية والحضارية، ومسايرة لتطور الإنسانية نحو التعبير أكثر فأكثر على الهويات الفكريات الجماعية المتعددة بما في ذلك الإسلامية.

وقد يبدو الحديث عن الفلسفة من منظور إسلامي من قبيل الترف الذهني؛ لأنه من جانب ينتمي للماضي بصورة تقسيماته المدرسية المشائية والإشراقية والكلامية وغيرها، التي انقطعت صلتها بالتاريخ البشري عموماً والإسلامي خصوصاً منذ ما لا يقل عن سبع قرون فيما عدا بعض الطفرات القليلة إلى يومنا هذا، ومن جانب آخر توحي القضايا النظرية التي انعكفت عليها في تاريخها الذهبي بقابليتها الأكبر على التنظير للمدينة الفاضلة أو الدفاع عن العقيدة الجديدة حينذاك، من الاستجابة إلى تحديات العالم المعاصر العينية الإنسانية والإسلامية.

إن المعرفة سواء كانت عقلية تأملية ومثالها الفلسفة وثمارها مباحث الفلاسفة في الميتافيزيقا (الإلهيات) او صوفية ذوقية فهي كسبية، وهي ظاهرة تالية لتطوّر المجتمع الإنساني، ويسعى ابن خلدون في "المقدمة السادسة" من الباب الأول من "المقدمة" إلى بيان حقيقة المعرفة بالغيب مع  تحديد تمايزها عن علوم الكهانة والسحر وعلم الطلسمات وأسرار الحروف، وهي علوم سرية وسحرية وسيمائية ازدهر تداولها في عصر ابن خلدون ، وفي العصور الوسيطة عامة.

وهذا يعني أن كل من المعرفة الفلسفية والصوفية يتنزل في سياق التطور التاريخي والثقافي والذهني للمجتمع وتاريخية المعرفة الفلسفية والصوفية هي تاريخية انتقال المجتمع من المعرفة الفطرية (الكهانة والشعوذة والسحر والنبوة) إلى المعرفة المكتسبة متمثلة في العلوم العقلية والنقلية وذروتهما الفلسفة  والتصوف ولعلّه ومن هذا المنطلق بالذات تتحدد إشكالية التصوف في النسق الخلدوني من جهة علاقته بالدين والفلسفة على السواء فلئن كانت الفلسفة تندرج من ضمن "العلوم العارضة في العمران" وبراهين الفلاسفة وعلمهم غير واف بمقاصدهم التي حوموا حولها  لعجز العقل عن إدراك حقائق الوجود في كليتها بذاته وابن خلدون في هذا موافق للغزالي ، فإن التصوف من العلوم الحادثة في الملة التي تستند إلى أصول العقيدة وتعاليم الشريعة، وإن كان ينحو منحى الفلسفة في طلب حقائق المعارف والمدارك العليا، يقول ابن خلدون في المقدمة : "هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، واصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله  تعالى، والأعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة"، ويعطي ابن خلدون للتصوف في بداياته الأولى، وعلى النحو الذي تمت الإشارة إليه من خلال تعريفه هو شرعية، ويظهر ذلك من قوله وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف  ويرصد بعد ذلك طبيعة السياق التاريخي والاجتماعي الذي أدى إلى ظهور الصوفية وتميزهم اجتماعيا وثقافيا حيث يقول : "فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة"، ويكاد نفس الموقف يقرره ابن خلدون في كتابه في الفصل الأول من كتابه "شفاء السائل" حيث يستدل على شرعية التصوف "والاهتمام بأعمال الباطن أكثر من أعمال الظاهر ومراقبة النفس بالشريعة وأقول النبي محمد (ص) الذي نبه إلى أن شأن الأعمال الباطنة أهم لأن الباطن أصل الاستقامة)، ويذكر كيف أن هذا كان للصحابة عادة راسخة ذلك انه " بعد أن شرح الله صدورهم..للإسلام... صرفوا الاهتمام إلى أعمال الباطن أكثر من أعمال الظاهر"

أن لفقه التصوف عند الشاطبي وما جاء في شفاء السائل لابن خلدون من بيان تاريخي أن هناك بعض التوافق النسبي والتناسب الضمني بين الرجلين في الرؤية والتصور للظاهرة، مما يؤكد طغيان المسائل الجزئية في اشتراكهما العلمي، وإن اختلفا في بعض القضايا الكلية، إنما ما يمكن التأكيد عليه في هذا السياق هو الاحترام الكبير الذي يكنه الرجلين للتصوف والمتصوفة مع تسليمهما بأحوال الناس في عباداتهم وطرقهم، وخصوصياتهم العرفانية والوجدانية إلا ما كان مخالفا للنظر الشرعي والمقاصدي خصوصا لدى أبي إسحاق عكس ابن خلدون الذي التف نظره التاريخي والوصفي أكثر للمسألة ثم "إن الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة مجمعون على تعظيم الشريعة مقيمون على متابعة السنة غير مخلين بشيء من آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها، ولذلك لا نجد منهم من ينتسب إلى الفرق الضالة"وحينما يذكر الشاطبي أو ابن خلدون هذا المقصد فهما يربطانه بجانب الوجود أي الحفاظ على تمثل السنة في مواقع الوجود البشري وبجانب العدم أي محاربة البدع ومواجهة المبتدعين، يقول ابن خلدون: "ثم طرقت آفة البدع في المعتقدات، وتداعى العباد وإلى هذا معتزلي ورافضي وخارجي لا ينفعه صلاح أعماله الظاهرة ولا الباطنة، مع فساد المعتقد الذي هو رأس الأمر. فانفرد خواص السنة المحافظون على أعمال القلوب، المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة، وسموا بالصوفية وأول ما تجدر الإشارة إليه هو أن ما ميز القراءة الخلدونية لعلم التصوف أنها نظرت في إشكاليته من جهة علاقته بعلوم أخرى تـشاطره أصوله وأهــدافه أو موضوعاته وأغراضه كالفلسفة والكلام والفقه والأخلاق والسحر وصناعة الكيمياء من هنا تبدو قراءة صورة "علم التصوف" في الفكر الخلدوني مسألة إشكالية ودقيقة للغاية، مثلما أن بحث منزلة التصوف بين سائر العلوم الشرعية من وجهة نظر بن خلدون إشكالية على غاية من التعقيد ومتعددة الأطراف كذلك، فالتصوف قد أفرد بفصل في المقدمة، واستوجب الأمر بعد ذلك أن ألف ابن خلدون كتابا خاص هو "شفاء السائل لتهذيب المسائل"وهو عبارة عن جواب سؤال ورد على ابن خلدون من أرض العدوتين "المغرب، والأندلس" والصلة قائمة بين الأثرين : "المقدمة" و"شفاء السائل" في اللغة ومنحى المعالجة، وفي الفكرة والأبعاد.


د. عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام

 رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية

 عضو المعهد العربي الأوروبي للدراسات الإستراتجية

 والسياسية بجامعة الدول العربية


المصدر: أوكرانيا بالعربية

مشاركة هذا المنشور:
الأخبار الرئيسية
سياسة
سيبيها: أوكرانيا مستعدة للعب دور رئيسي في تطوير الحماية من الصواريخ الباليستية مع الشركاء الأوروبيين
وزير الخارجية الأوكراني: أوكرانيا تتحول إلى مركز صناعي دفاعي أوروبي – وصفقات المسيرات أصبحت أداة للسياسة الخارجية
سياسة
هجوم روسي واسع على كييف يوقع قتلى ويصيب أكثر من 50
4 قتلى و58 جريحاً بينهم طفلان - حرائق في مبانٍ سكنية ومؤسسة تعليمية ومركز تجاري - عمليات إنقاذ تحت الأنقاض في بوديلسكي
سياسة
سفيريدينكو: ليتوانيا أصبحت أول دولة في الناتو تبرم صفقة دفاعية خاصة مع أوكرانيا
رئيسة الوزراء الأوكرانية في فيلنيوس: ليتوانيا ستمول المشاريع الدفاعية المشتركة عبر آلية SAFE – وسترسل أوكرانيا خبراء عسكريين لحماية المجال الجوي الليتواني
أخبار أخرى في هذا الباب
آراء ومقالات
سيرهي تسيبكو وقدسه الأوكرانية..بقلم ماريا شيفتشوك
ماريا شيفتشوك: تسيبكو قدّم إسهاماً عظيماً الوحدة الروحية لمدينتين مقدستين في العالم الأرثوذكسي - القدس وكييف
آراء ومقالات
أوكرانيون بلا أوكرانيا .. دراسة وتحليل ميخايلو دوبينيانسكي
5.16 مليون لاجئ قد يبقون في أوروبا حتى 2029: كيف يقسم الحرب الأوكرانيين إلى مرتبطين بأوكرانيا ومستغنين عنها – ولماذا قد تكون سياسة كلما كان الوضع أسوأ، كان أفضل هي الحل الوحيد لوقف نزيف الهجرة؟
آراء ومقالات
ماذا سيطلب الاتحاد الأوروبي أيضًا من أوكرانيا مقابل 90 مليار يورو؟ .. دراسة وتحليل سيرهي سيدورينكو وتاتيانا فيسوتسكا
إصلاح القضاء ومكافحة الفساد: كيف تحول بروكسل أموال القرض إلى عصا لإجبار كييف على تنفيذ إصلاحات غير شعبية ومتى تصل الدفعة الأولى؟ وما مصير الأموال إذا فشلت أوكرانيا في تلبية الشروط؟
اختيار القراء
سياسة
سيبيها: أوكرانيا مستعدة للعب دور رئيسي في تطوير الحماية من الصواريخ الباليستية مع الشركاء الأوروبيين
وزير الخارجية الأوكراني: أوكرانيا تتحول إلى مركز صناعي دفاعي أوروبي – وصفقات المسيرات أصبحت أداة للسياسة الخارجية
سياسة
بودانوف: زيلينسكي أعطى توجيهات لإنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن
مدير مكتب الرئيس الأوكراني يؤكد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة مستمرة لكن بشكل غير علني – والهدف هو وقف القتال قبل الشتاء
سياسة
هجوم روسي واسع على كييف يوقع قتلى ويصيب أكثر من 50
4 قتلى و58 جريحاً بينهم طفلان - حرائق في مبانٍ سكنية ومؤسسة تعليمية ومركز تجاري - عمليات إنقاذ تحت الأنقاض في بوديلسكي
سياسة
سفيريدينكو: ليتوانيا أصبحت أول دولة في الناتو تبرم صفقة دفاعية خاصة مع أوكرانيا
رئيسة الوزراء الأوكرانية في فيلنيوس: ليتوانيا ستمول المشاريع الدفاعية المشتركة عبر آلية SAFE – وسترسل أوكرانيا خبراء عسكريين لحماية المجال الجوي الليتواني
تابعونا عبر فيسبوك
تابعونا عبر تويتر
© Ukraine in Arabic, 2018. All Rights Reserved.