على أنقاض لينين... مازيبا ينتصب في قلب كييف

زيلينسكي يعلن عن إقامة تمثال للهيتمان إيفان مازيبا في الموقع الذي كان يشغله تمثال لينين، في خطوة تجسد استعادة الذاكرة التاريخية وتأكيد الهوية الأوروبية لأوكرانيا
كييف/ أوكرانيا بالعربية/ في خطوة تحمل دلالات رمزية عميقة، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في يوم الدستور، عن نيته إقامة تمثال للهيتمان إيفان مازيبا في قلب العاصمة كييف، وتحديداً في الموقع الذي كان يشغله تمثال لينين حتى سقوطه في ديسمبر 2013 خلال ثورة الكرامة. وقال الرئيس: "حيث سقط لينين، سيقف مازيبا بقوة".
لم يكن هذا الإعلان مجرد قرار بإنشاء نصب تذكاري جديد، بل هو إعادة كتابة للتاريخ في مكان كان يشهد على حقبة من الهيمنة الإمبراطورية. فالتمثال الذي سيحل محل رمز الإمبراطورية السوفيتية سيخلد شخصية كانت روسيا تسعى عبر قرون لطمسها وتشويهها، متهمة إياه بالخيانة، بينما كان مازيبا، في نظر الأوكرانيين، واحداً من أوائل رجال الدولة الذين أدركوا أن البقاء تحت الحكم الروسي يعني الاستمرار كمجرد مستعمرة.
رجل الدولة الذي سبق عصره
يعود اختيار مازيبا إلى أكثر من كونه تكريماً لشخصية تاريخية، فهو يمثل اختياراً واعياً لرمز الدولة الأوكرانية والانعتاق من التبعية. ففي مطلع القرن الثامن عشر، اتخذ مازيبا قراراً مصيرياً بالتحالف مع الملك السويدي كارل الثاني عشر ضد موسكو، سعياً لاستقلال أوكرانيا وربطها بأوروبا. دفعته رؤيته الأوروبية إلى خيار لم يغفره له بطرس الأكبر، الذي أمر بتدمير عاصمة الهيتمان، باتورين، وبمحو اسم مازيبا من الذاكرة عبر لعنه كنسياً وتشويه صورته في كتب التاريخ الروسية والسوفيتية لقرون.
لكن الحقيقة التاريخية تصور مازيبا كواحد من أكثر حكام أوكرانيا تعليماً في عصره، دبلوماسياً ومصلحاً وراعياً كبيراً للثقافة والكنيسة. ففي عهده، ازدهرت كييفو-بيتشيرسكا لافرا، واكتسبت وجهها الباروكي الأوكراني الفريد. وهو ما ذكره الرئيس زيلينسكي في خطابه، مشيراً إلى أن التمثال النصفي الذي سيوضع في لافرا سيكون تمهيداً لتمثال كامل في قلب العاصمة.
إعادة كتابة التاريخ في العاصمة
وتشير سفيريدنكو، رئيسة الوزراء، إلى أن الدستور الأوكراني، الذي يبلغ الثلاثين من عمره، يعكس اختيار الشعب لدولة ذات سيادة ويتجه نحو العضوية الأوروبية. ويأتي تمثال مازيبا ليضيف بُعداً مادياً لهذا التوجه، حيث سيخلد شخصية جسدت هذا الخيار قبل ثلاثة قرون.
وبينما خلت الساحة التي شهدت سقوط لينين لأكثر من عقد، يبدو أن أوكرانيا كانت تنتظر اللحظة المناسبة لملئها برمز يعكس إرادتها في الانعتاق من الماضي الإمبراطوري. فالمدن الأوكرانية الأخرى كانت قد سبقت العاصمة في تكريم مازيبا، لكن وضع تمثاله في موقع كان يحتله أيقونة الإمبراطورية الروسية يحمل رسالة لا لبس فيها: أوكرانيا لا تستعيد أراضيها ولغتها وتاريخها فحسب، بل تستعيد أبطالها أيضاً. وهذا هو المعنى العميق لتحرر الأمة.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
