ضربات على الطاقة الأوكرانية... ماذا تريد موسكو من التصعيد؟

زيارة الأمين العام لحلف الناتو مارك روته كييف، ولقائه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي
كييف/أوكرانيا بالعربية/ أعلنت العسكرية في مقاطعة كييف، إنه عشية استئناف المحادثات الثلاثية في أبوظبي، جاء الهجوم الروسي الواسع على منشآت الطاقة والبنية التحتية الأوكرانية، كأنه «تصحيح قاسٍ» لأي انطباع بأن هدنة الأسبوع التي تحدّث عنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تحوّلت إلى مسار ثابت. فبدلاً من أن تكون الأيام الماضية جسراً لبناء الثقة، تحوَّلت إلى نافذة قصيرة لالتقاط الأنفاس قبل عودة موسكو إلى أكثر أدواتها إيلاماً وإرهاباً.
ضرب الكهرباء والتدفئة في ذروة موجة صقيع:
الهجوم العنيف على قطاع الطاقة، مع استخدام كثيف للصواريخ والطائرات المسيّرة على نطاق واسع، أدى إلى انقطاعات كبيرة في التيار والتدفئة في كييف ومقاطعات أخرى. وفي لحظة سياسية حساسة، لا يمكن قراءة هذا التصعيد بوصفه «خرقاً تقنياً» لتفاهم غامض، بل بوصفه إشارة مقصودة إلى حدود ما تراه موسكو التزاماً، وإلى طبيعة أوراق الضغط التي تريد حملها إلى طاولة التفاوض.
تعريف روسيا للتهدئة
وفق المعطيات المتداولة عن «وقف استهداف الطاقة»، كان التفاهم أصلاً هشاً ومؤقتاً، أقرب إلى إجراء لخفض التصعيد، لا إلى اتفاق وقف نار. وقد أشارت تقارير إلى أن موسكو وافقت على وقف ضرب منشآت الطاقة الأوكرانية حتى 1 فبراير (شباط)، لا أكثر. من هنا، يمكن لروسيا أن تدفع بحجة شكلية: «المدة انتهت»، لكن اختيار التوقيت - العودة بضربة كثيفة في أبرد أيام الشتاء وقبيل محادثات أبوظبي - يوحي بأن الغاية ليست قانونية/إجرائية، بل تفاوضية بامتياز: رسم خط أحمر يقول إن «تعليق النار» إن حصل، فهو أداة بيد موسكو، تُشغّلها وتُطفئها وفق الحاجة.
ويرى البعض أن هذه نقطة جوهرية لفهم ما يعنيه الهجوم: موسكو لا تنظر إلى التهدئة بوصفه التزاماً متبادلاً طويلاً، بل بوصفه إيماءةً قصيرةً تُمنح عندما تُفيدها في إدارة علاقتها مع واشنطن أو تحسين شروطها، ثم تُسحب بسرعة عندما تريد رفع الكلفة على كييف وحلفائها.
ضرب الطاقة ليس مجرد استهداف للبنية التحتية، بل عدم إستقرار الحياة اليومية: التدفئة، الماء، النقل، المستشفيات، والقدرة على استمرار الاقتصاد في زمن الحرب. تقارير تحدثت عن أضرار واسعة وانقطاع تدفئة عن مئات المباني في كييف وحدها. الرسالة إلى الداخل الأوكراني مباشرة: تكلفة الاستمرار سترتفع، وقد ترتفع أسرع من قدرة الدولة على التعويض.
والرسالة إلى القيادة الأوكرانية أعمق: إن كنتم تراهنون على أن «مساراً إيجابياً» بدأ مع واشنطن، فموسكو قادرة على إعادة تعريف المزاج السياسي خلال ساعات عبر خلق أزمة إنسانية خدمية، بما يضع زخم المفاوضات تحت ضغط الرأي العام ومتطلبات الصمود.
موسكو تراهن على 3 فرضيات متداخلة:
- إدارة ترامب تريد «تجميد الجبهة» أكثر مما تريد معاقبة موسكو، وإذا كان هدفها هو وقف الحرب بسرعة، فروسيا قد ترى أن أقصى ما ستواجهه هو بيانات إدانة وضغوط محدودة، من دون تحوّل جذري في ميزان الدعم العسكري.
- الضربة تخلق إحراجاً سياسياً لواشنطن دون أن تكلف موسكو ثمناً فورياً. لذلك ترغب روسيا في اختبار ذلك عملياً.
- اختبار الحديث عن الضمانات وترتيبات الردع، والسجال داخل المعسكر الغربي حول شكلها وما إذا كانت قوات أوروبية على الأرض جزءاً من الحل أم جزءاً من المشكلة، في ظل اقتناع موسكو بهشاشة العلاقات الأميركية - الأوكرانية نفسها.
معضلة التنفيذ والردع
زيارة الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي» (ناتو) مارك روته إلى كييف - وفق ما أوردته التقارير - ترافقت مع حديث عن ترتيبات أمنية محتملة بعد أي اتفاق، تشمل سيناريوهات نشر قوات/وسائط ردع أوروبية. لكن موسكو لطالما رفضت فكرة وجود قوات غربية في أوكرانيا كجزء من تسوية، لأنها تسحب من روسيا أهم أدواتها: التهديد بالعودة إلى القصف والتقدم دون تكلفة ردعية مباشرة.
والأهم أن الأحاديث الأوروبية عن «الردع» تصطدم بسؤال التنفيذ: مَن يتخذ قرار الرد؟ وبأي سقف؟ وبأي زمن؟ في هذا السياق، برزت تقارير عن مقترح «متعدد المستويات» لفرض أي وقف إطلاق نار، يبدأ بإنذار دبلوماسي سريع، ثم يتدرج إلى ردود أشد إذا تكرر الخرق. من زاوية موسكو، ضرب الطاقة عشية المفاوضات يمكن أن يكون أيضاً محاولة استباقية لتفريغ هذه الفكرة من مضمونها: إذا كان الردع سيقوم على «خطوط واضحة» للخرق والعقاب، فروسيا تذكّر الجميع بأنها تملك مساحةً واسعةً للمناورة الرمادية - هجمات تُصنّف «انتقاماً» أو «رداً» أو «استهدافاً مزدوج الاستخدام»، وتالياً تُعقّد الإجماع الغربي على رد موحّد.
ماذا بعد رفع السقف؟
في منطق التفاوض تحت النار، القاعدة بسيطة: مَن يرفع الألم يرفع تكلفة «اللا اتفاق»، وبالتالي يرفع سعر التنازل. موسكو تريد الذهاب إلى أبوظبي وهي تحمل ورقتين: ورقة المعاناة المدنية، للضغط على كييف لخفض مطالبها في الضمانات والترتيبات الميدانية. وورقة القدرة المستمرة، لإثبات أن روسيا لم تُستنزف إلى حد فقدان المبادرة، وأنها قادرة على موجات كبيرة من النيران عندما تختار ذلك.
بالتوازي، تسمح الضربة لموسكو بإعادة صياغة السردية التي تقول «نحن نرد على أعمال أوكرانية»، وهو تبرير ورد على لسان وزارة الدفاع الروسية بحسب تقارير. هذا النوع من السرديات ليس موجهاً فقط للإعلام الداخلي الروسي، بل أيضاً لإرباك النقاش الغربي حول «من يعرقل الدبلوماسية».
لذلك تذهب موسكو إلى أبوظبي مراهنة على طرح تثبيت هدنة طاقة جديدة ومحدودة زمنياً، بوصفه إجراءً إنسانياً - خدماتياً، ليس وقف نار شاملًا، مع بقاء الجبهة مشتعلة في قطاعات أخرى. وقد تقوم بمحاولة مقايضة الطاقة بالضمانات، عبر عرض تمديد وقف ضرب البنى التحتية مقابل تخفيف صيغ الردع الأوروبية/الأميركية أو تمييع آليات الرد على الخروق. كما قد تحاول الاستمرار في نمط «التصعيد المُدار»، عبر ضربات كبيرة على فترات، لإبقاء كييف في «وضع البقاء»، ولإبقاء واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما رفع الدعم النوعي (دفاع جوي أكثر مثلاً)، أو القبول بتسوية أسرع بشروط أقل.
ومع ذلك، لا يعد الهجوم دليلاً على موت الدبلوماسية، بقدر ما هو تذكير روسي بأن الدبلوماسية، في تصور موسكو، لا تنفصل عن الإكراه. والأجواء الإيجابية التي غذّاها حديث هدنة الأسبوع تبدو الآن اختباراً سريعاً لمدى قابلية واشنطن وكييف وأوروبا لتحويل نوايا التهدئة إلى قواعد ملزمة. وحتى يحدث ذلك، ستظل منشآت الطاقة إحدى أكثر نقاط الضعف التي تراهن روسيا على أنها تُكسبها ما لا تكسبه الدبابات وحدها.
وبالنهاية نستنتج ما يلي:
روسيا تتكبد الخسائر بالأرواح على جميع المحاور، وتنتقم من المدنيين في المدن الأوكرانية.
موسكو لا تريد إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار، لها حساباتها الخاصة الغير معلنة أمام الملأ.
المصدر: أوكرانيا بالعربية
