32

مصــر بــين ثــورتـين والـصـــدام الـمــتـــوهــم... بقلم حسن زايد

Thu, 02.10.2014 02:00



كييف/أوكرانيا بالعربية/يصعب تفسير مواقف الفصائل السياسية الطافية علي سطح الحياة في مصر بعد ثورتين. والصعوبة تأتي من خلال الإنحياز الحاد والمتطرف لكل فصيل لوجهة نظره وموقفه، والدفاع الحاد والمستميت عن وجهة النظر المتبناه باعتبارها الأصح والأصوب، والأولي بالإتباع ، وما يترتب علي ذلك من مواقف تنعكس بالسلب علي المواطن المصري العادي غير المؤدلج . وليس هناك من تفسير منطقي لهذا الإنقسام ، خاصة أن الثورتين قد وقعتا بفعل الشعب المصري، الذي لولاه ما كانت هناك ثورة ، ولما كان هناك ثوار .
وقد ارتضي الشعب المصري الثورتين ، ولا معني لتبني إحداهما دون الأخري ، وتغييب الشعب المصري عن المشهد . وقد ظهر هذا الإنقسام علي السطح بعد الإنفجار الجماهيري في وجه نظام الإخوان وإسقاطه بفعل ثورة 30 يونية . فهناك فريق يعتبر نفسه الوريث الشرعي ـ بمعزل عن الشعب ـ لثورة 25 يناير ، ويري أحقيته دون غيره في تصدر المشهد السياسي المصري ، ومن ثم فقد وقف هذا الفريق في خندق المعارضة لثورة 30 يونيه ، باعتبار أن الأخيرة نكوص علي الأولي من وجهة نظرهم ، وكفر بواح بما تمخض عن الأولي من نتائج ، وما أفرزته من ثمار ، وأن فيها إقصاء لهم ، وانقضاض عليهم . وقد اعتبر أن في ثورة يونيه عودة للنظام القديم ، ولكن بأقنعة أخري جديدة ، أو بوجوه جديدة تمثلهم ، وكأني بهم بهذا التصور قد عزلوا الشعب / الثائر عن المشهد ، وغيبوا دوره ووعيه ، ونصبوا أنفسهم أوصياء عليه ، علي خلاف الحقيقة والواقع .
أما فريق 30 يونيو ـ علي إخلاصه ـ فقد أفرز بالفعل علي نحو أو آخر بعض الوجوه القديمة التي أطلت علي الناس بأقنعة جديدة ، أو وجوه جديدة بنفس توجهات وأفكار النظام القديم ، وبدأت في تصدر المشهد الإعلامي ، وخلق حالة مقارنة بين ما كان في عهد نظام مبارك ، وما جري خلال سنة من الحكم الإخواني الفاشي ، علي اعتبار أن ثورة يونيه هي عودة لنظام مبارك . بخلاف حملة إعلامية علي ما جري قبل ثورة يناير من تدريبات علي الثورة السلمية ، مصحوبة بتسريبات صوتية ومرئية لبعض النشطاء ، وتصوير ما جري في ثورة يناير باعتباره مؤامرة دولية ، وأن من شارك فيها من الداخل هو الجاسوس الخائن العميل الذي تقاضي مبالغ مالية لقاء انقلابه علي النظام ، ومحاولاته الدؤوبة لهدم مؤسسات الدولة . وهذا الفريق أيضاً عزل الشعب المصري عن المشهد ، واختصره في مجموعة من الشباب العملاء ، وجماعة الإخوان .
وصادر إرادة الشعب التي اجتمعت في يناير علي ذهاب النظام بكل رموزه ، ولم ينصرف من الميادين إلا بعد سقوط جمهورية مبارك وانقضاءها . وهذا الإستقطاب الحاد بين الفريقين المفترض نظرياً أن يحدث صداماً بين جمهورَيْهما ، سواء أدركا ذلك أم لم يدركا ، آتياه عن قصد ونية مبيتة أم يقع ذلك منهما عفواً ، إلا أن هذا الصدام متوهم بالضرورة ، لأن الشعب في الثورتين هو هو وليس غيره ، شعباً واحداً صدر عن إرادة حرة واعية ، وليس مجرد قطيع  يُسَيِّر حركته هذا الفريق أو ذاك مهما كانت اليافطة التي يتحرك تحت ظلالها . فالشعب قد تجرع الفساد المباركي حتي الثمالة ، ذلك النظام الذي تحول من إدارة شئون الدولة إلي إدارة منظومة فساد ، ولا أحد ينكر ذلك حتي من أبناء مبارك وأنصاره ، فقد كان هناك إجماع وطني علي أن الفساد قد نخر في عظام الدولة الإقتصادية والسياسية والإعلامية والأخلاقية ، وأن مصر أصبحت سيارة بلا كوابح يقودها سائق أعمي في منحدر بتعبير الأستاذ محمد حسنين هيكل .
ومن هنا كانت يناير ثورة ، لأن الشعب المصري لم يكن في غيبوبة ، ولم يقم بما قام به ضد نظام من الملائكة الأطهار، ولا يقدح في ثورية ما حدث وجود شوائب علقت بالفعل الثوري ، ولم تكن تلك الشوائب هي الفعل الثوري ذاته ، وإنما حواشي علي هوامشه ، فالشعب هو الأصل ، وإرادته هي الفاعلة . قد تكون هناك  خيانة ، وقد يكون هناك تآمر ، وقد تكون حماس قد اخترقت الحدود ، وضربت الأقسام والسجون ، وقد نكون واقعين تحت وطأة مخطط دولي للتقسيم تقوده أمريكا ، ومَثَّل الإخوان فيه مخلب القط  ، وكذا 6 إبريل ، إلا أن كل ذلك لا يمثل مطعناً علي ثورية الثورة ، لأن الشعب المصري ما كان ليحركه مجموعة من المجموعات أياً كان حجمها أو تدريبها ، وليس من المتصور أن ينخدع شعب ، أو ينساق علي نحو ما يذهب إلي تسويقه أنصار النظام القديم ، نظام مبارك . ولا ريب أن التاريخ سينتصر لهذه الثورة بعد ما تتكشف الحقائق ، وتتعري المواقف ، من خلال الوثائق المرئية والمسموعة والمقروءة . ويذهب الزبد جفاءًا ، وما ينفع الناس سيمكث في الأرض . أما محاولة البعض ، ممن ارتكبوا جرائم جنائية ، ممن هم محسوبين علي ثورة يناير، الصاق علة محاكمتهم بكونهم ثواراً ، يطاردهم النظام الجديد ، الذي تولد عن ثورة يونية ، علي اعتبار أنه يمثل عودة لنظام مبارك ، وأنه عاد لينتقم ، فهي محاولة تسيء إليهم ، وإلي ثورتهم ، وإلي ثورة يونية كذلك ، وتصب في ذات الوقت في خانة الفلول المباركية ـ وأعني بفلول مبارك هنا من أفسد ، واستفاد من الفساد ، وساهم أو عاون في منظومته ، ولست أقصد أنصار مبارك من فئات الشعب الأخري ـ ومن هنا فإن موقف ثوار يناير من غير أصحاب الأجندات الخارجية بما في ذلك جماعة الإخوان هو موقف مستغرب حقاً وصدقاً .
لأن النظام الذي يصادرونه الآن لمصلحة النظام الإخواني هو نظام جاء بثورة شعبية مثيلة لتلك التي جاءت بهم . ففي الأولي أطاح الشعب بدولة الفساد ، وفي الثانية أطاح بدولة الفاشية والإستبداد . فالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لا يمكن أن تولد في كنف جماعة تربت علي السمع والطاعة ، وعاشت مختفية تحت الأرض قرابة القرن من الزمان ، تجيد كافة فنون التخفي والعمل السري ، وحياكة المؤامرات ، والعضو فيها بين يدي مرشده ، كالميت بين يدي مغسله ، يقلبه كيف يشاء ، فكيف تكون هناك حرية ، وكيف تتأتي الديقراطية في هذا الجو الموبوء ، فهذا الأسلوب في الإدارة إن صلح لإدارة جماعة مغلقة ، فإنه لا يصلح لإدارة جماعة مفتوحة ، فضلاً عن إدارة دولة . والخلل هنا خلل في جينات الإدارة ذاتها ، وليس مجرد اختلاف في وجهات النظر . ومن هنا يمكن القول بأن المسار الثوري المصري واحد في الحالتين ، والفصل بينهما يعد فصلاً تعسفياً ، والصدام الجماهيري الذي يراهن عليه من يري في ثورة يونية انقلاباً هو صداماً متوهماً ، ولا يقع إلا في رؤوس أصحابه ، ويبنون عليه قصوراً من الرمال بجوار بحر هائج .
حسن زايد
كاتب مصري ومدير عام 
المصدر: أوكرانيا بالعربية

ترحب "أوكرانيا بالعربية" بالنقاش الحيوي والنقد البناء، وكي لا نضطر في موقع أوكرانيا بالعربية إلى مراجعة التعليقات قبل نشرها. ننصحك بمراجعة إرشادات الاستخدام للتعرف عليها جيداً. وللعلم فان جميع مشاركاتك يمكن استخدامها، مع اسمك وصورتك، استنادا إلىسياسة الخصوصية بما يتوافق معشروط استخدام الموقع.
الآراء الواردة أدناه لا تعبر عن رأي أوكرانيا بالعربية، بل تعبر عن وجهات نظر أصحابها فقط



شريك الأخبار

Loading...
728*90