32

مصر بين الملك والرئيس... بقلم حـسـن زايـد

Thu, 26.06.2014 21:50




كييف/أوكرانيا بالعربية/جاءت زيارة الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز لتسجل تاريخياً أول زيارة يقوم بها رئيس أو ملك إلي مصر بعد ثورة يونيه ، وقد كان الرئيس السيسي قد أعلن من قبل في أحد لقاءاته المتلفزة ـ قبل أن يصبح رئيساً ـ أن أول بلد سيزورها حال انتخابه رئيساً هي السعودية . وإذا كان رجال السياسة يقولون بأن العلاقات بين الدول ليس فيها صداقات دائمة ولا عداوات دائمة ، وإنما توجد مصالح دائمة . وأن علاقات الدول لا تحكمها علاقات الحب أو علاقات الكراهية ، وإنما تحكمها المصلحة .
فإن العلاقة بين المملكة السعودية ومصر قد تجاوزت هذه المقولات ، وكسرت تلك التابوهات . فرغم الخلاف المصري السعودي إبان فترة الرئيس الراحل عبد الناصر ، نتيجة إختلاف الرؤي والتوجهات والأيديولوجيات الحاكمة ، ورغم أن الرئيس الراحل أنور السادات كان الإمتداد الطبيعي ـ في السنوات الأولي علي الأقل ـ لفترة الحكم الناصرية بإرثها كله ، وكان يستمد شرعيته من شرعية ثورة يوليو ، رغم كل ذلك ، وقف الملك فيصل ـ رحمه الله ـ موقفاً تاريخياً من حرب اكتوبر، حين قطع البترول عن أمريكا والغرب ـ في تحدي غير مسبوق ـ انتصاراً للإرادة المصرية في المعركة . وقد جاء الملك عبدالله ليستكمل مشهد تلك الملحمة الملهمة ، حين أعلن من أول لحظة انحيازه للشعب المصري في اختياره في 30 يونيه 2013 م . ولم يكن ذلك الإنحياز معنوياً فقط ، أو دبلوماسياً فقط ، وإنما موقفاً إقتصادياً فاعلاً يحول دون سقوط مصر الدولة في براثن الفشل والإنهيار ، لقد أعلنها هو وأشقاؤه الخليجيين ـ فيما عدا دويلة قطر ـ بأنهم لم ولن يسمحوا بسقوط مصر . وكان هذا الموقف النبيل ـ أيضاً ـ موجهاً للغرب وأمريكا وأذنابهما ممن يسعون لإسقاط مصر وتجويعها .
ولم تسقط مصر رغم كل شيء . ثم جاء الملك عبد الله إلي مصر في طريق عودته إلي السعودية من فترة نقاهة قضاها بالمملكة المغربية في زيارة تم الترتيب لها علي عجل . لم يكلف أحد نفسه مشقة التفكير في الداعي الذي دعي ملكاً مريضاً ـ وطاعناً في السن ـ عائداً لتوه من رحلة نقاهة إلي الهبوط في مصر. هل فعل ذلك ليهين مصر وشعبها بعدم نزوله من الطائرة ؟ . وهل هو في حاجة إلي إهانة مصر ؟ . بالقطع وعلي وجه اليقين لم يهبط الملك عبدالله من الطائرة إلا لسبب آخر غير إهانة مصر وشعبها ، فالرجل لم يهبط لأسباب صحية معلومة يقدرها شعب مصر ، ومن أجلها يترفع عن قواعد البروتوكول والأعراف الدبلوماسية . ونسي من قال بالإهانة أن الرجل ما هبط بطائرته في مصر إلا ليعلن للعالم أن مصر في موضع القلب منه ، ومن المملكة السعودية . وهو ليس بحاجة إلي إهانة مصر وأهلها حتي باعتبار المصلحة ، التي يتشدق بها هؤلاء ، كعلة أصيلة للمساندة السعودية الخليجية  ، فالمنطق يقول بأن المرء لا يسعي إلي إهانة من يحتاجه ، علي الأقل حتي تنتهي الحاجة وتنقضي . أما صعود الرئيس السيسي له فهو صعود لمن يقدر حجم مصرودورها ، صعود لمن يحرص علي عدم سقوط مصر وفشلها ، صعود لمن يدرك أن مصر عامود خيمة العرب الذي لو سقط ما بقيت هناك خيمة ولا عرب . إنه صعود لمن يمد يده ـ تقديراً وعرفانا ، لا مناً وإحساناً ـ كي ينتشلني من السقوط لأصعد به وأحول دون سقوطه . وصعود الرئيس السيسي للطائرة لا ينطوي مطلقاً علي أي قدر من الإهانة لمصر ، وإنما صعود بها إلي مكانتها الرفيعة التي تتجاوز بها القواعد البروتوكولية حين تتصرف كشقيقة كبري . صحيح أن الطائرة سعودية ، وقد تُعدُّ في القانون الدولي أرضاً سعودية ، إلا أنها أرضاً سعودية اعتبارية يحتويها قلب القاهرة .
فكأنك في الإنتقال إليها كمن ينتقل في القاهرة من حي إلي حي ، ومن شارع إلي شارع مجاور . وليس هذا من قبيل التبرير للموقف ، لكنه كلام قال به البعض تنظيراً قانونياً ، حيث ذهب هذا البعض إلي القول أن الطائرة تعد أرضاً سعودية طالما كانت محلقة في الجو ، أما وقد هبطت إلي أرض المطار فقد فقدت هذه الصفة . وبغض النظر عن هذا الكلام أو ذاك فإن القواعد الدبلوماسية تخضع لقاعدة المعاملة بالمثل ، أي أنها متغيرة وليست ثابتة ، ولا يوجد أجدر من الملك عبدالله كي تُغير هذه القواعد من أجله ، لأنه رجلاً يحب مصر . أما القول بأن الرئيس السيسي بصعوده إلي متن الطائرة عُدَّ ضيفاً لا مُضيفاً فهو كلام لا معني له من الناحية الواقعية ، لأن النظرة الواقعية تنطق بحقيقة الموقف كما يدركه الناس وهي أن الملك عبدالله حل ضيفاً علي مصر . وقد رحبت مصر به علي طريقتها الخاصة متمثلة قول الشاعر الليبي : يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وانت رب المنزل .
ثم يتعين أن ننظر إلي الموقف بنظرة الإدارة بالأهداف ، فلا نترك الزيارة وأهدافها وغاياتها ، وما تحققه من نفع لمصر ، والسعودية والدول العربية ، ثم نتحدث عن قواعد البروتوكول والتمسك بأهدابها الواهنة . وإن كان لنا أن نتحدث في هذا الإطار فالعدالة تقتضي النظر لزيارات مرسي الخارجية التي حطت من قيمة مصر وقدرها ، وقيل يومها أن الرجل متواضعاً . أما زيارات الرئيس السيسي ـ أيام كان وزيراً للدفاع ـ فقد أعادت إلي مصر مكانتها الدولية . وما أثير حول هذا الموضوع ما أثير إلا من متربصين يتصيدون توافه الأمور وينحرفون بها حتي تخدم توجهاتهم وأغراضهم ، وهي التشويش علي مصر والإساءة لها ، والدليل علي ذلك انحرافهم بقبلة السيسي التي وضعها علي جبين الملك إلي تقبيلاً لرأسه ، وتذكروا عدم هبوط الملك ، وصعود الرئيس ، ولم يتذكروا اعتذار الملك ، وقوله للسيسي : " أنا آسف " . وأبرزها التلفزيون السعودي . والواقع أن موقف هؤلاء يذكرني بموقف أحد الفلاسفة حين سأله سائل عن لزوم التفلسف ، فأجابه الفيلسوف قائلاً : إذا لزم التفلسف فلابد أن نتفلسف ، وإذا لم يلزم التفلسف فلابد أن نتفلسف لكي نثبت عدم لزوم التفلسف . المهم أن نتكلم وننتقد ونتواجد علي الساحة .
حسن زايدكاتب مصري ومدير عام 
المصدر: أوكرانيا بالعربية

ترحب "أوكرانيا بالعربية" بالنقاش الحيوي والنقد البناء، وكي لا نضطر في موقع أوكرانيا بالعربية إلى مراجعة التعليقات قبل نشرها. ننصحك بمراجعة إرشادات الاستخدام للتعرف عليها جيداً. وللعلم فان جميع مشاركاتك يمكن استخدامها، مع اسمك وصورتك، استنادا إلىسياسة الخصوصية بما يتوافق معشروط استخدام الموقع.
الآراء الواردة أدناه لا تعبر عن رأي أوكرانيا بالعربية، بل تعبر عن وجهات نظر أصحابها فقط



شريك الأخبار

Loading...
728*90