32

مـن هـنا نـبــــدأ... بقلم حسن زايد

Sat, 06.09.2014 23:29



كييف/أوكراانيا بالعربية/كلنا يتحدث عن الفساد ، وحين نفعل ذلك ننأي بأنفسنا عن هذه التهمة ، باعتبار أن الكل فاسد بدرجة أو بأخري ، إلا نحن . وأنه لا سبيل أمام المجتمع للتقدم سوي بمكافحة الفساد ، ومطاردة رموزه ، والقضاء عليهم  . والفساد هو لفظ يترك في النفس انطباعاً دالاً علي كافة النواحي السلبية في الحياة  ، لأنه لا يعني سوي البطلان ، وانتهاك  معني النزاهة والصلاح . فالفساد السياسي لا يعني سوي استخدام النخبة الحاكمة ممثلة في الحكومة ورجالاتها السلطة العامة المخولة لهم لأغراض غير مشروعة ، كالرشوة ، والإبتزاز ، والمحسوبية ، والإختلاس ، وغيرها من صور الفساد الأخري ، علي خلاف أحكام القانون .
وأخطر صور الفساد السياسي هو تقنينه ، وإضفاء الشرعية عليه . كما أن هناك ما يسمي بالفساد المالي ، وهو الفساد المتعلق بالأموال العامة التي يملكها المجتمع ، وليس فرداً بعينه . ويكون الفساد فيها بمخالفة الأحكام والقواعد المتعلقة بكيفية التصرف فيها ، وتنظيم العمل بها بما يخدم صالح المجتمع المسمي بالصالح العام .
وهناك ما يطلق عليه الفساد الإداري ، ويقصد به الإنحرافات التي تصيب العمل الإداري والوظيفي أو التنظيمي الحكومي ، والمخالفات التي تقع من الموظف العام ـ الموظف الحكومي ـ أثناء قيامه بآداء واجبات وظيفته الرسمية ، وتتحدد هذه الإنحرافات والمخالفات علي ضوء منظومة التشريعات والقوانين واللوائح والضوابط  السائدة في المجتمع . والفساد بصوره الثلاث : السياسي ، والمالي ، والإداري كان قد وصل في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك إلي حد يمكن معه القول بأن الرئيس كان يدير منظومة الفساد في البلاد ، ولا يدير دولة . ولا يمكن لأي عاقل سواء كان مؤيداً لمبارك أو معارضاً له أن ينكر هذه الحقيقة ، لأن رموز الحزب الوطني المنحل قد أقروا بتلك الحقيقة وهم في قمة السلطة . ولقد استشري الفساد في نهاية هذا العصر استشراءًا سرطانياً يصعب معه التماثل للشفاء دون جرعات العلاج المقررة ، ودون المرور بنوبات الألم المبرح التي تنتاب المصاب حال علاجه . ويذهب معارضي مبارك إلي القول بأن نقطة الإنطلاق الأولي للفساد تبدأ من تحت كرسي الرئاسة ، ومن بين يدي الرئيس باعتباره قمة السلطة العامة التي تُستغل لأغراض غير مشروعة  ، وذلك من جانب النخبة السياسية الحاكمة ، باعتبارهم رؤوس المجتمع في السياسة والمال والنفوذ والأنظمة والقوانين والتشريعات واللوائح والضوابط . وإذا فسد الرأس فسد الجسد كله ، فأول ما يفسد من السمكة رأسها ، فإن فسدت فسدت كلها .
ووفقاً لهذه الرؤية فإن أولي خطوات الإصلاح لابد أن تتم بالقضاء علي رؤوس الفساد في السياسة والمال والإدارة الذين تربوا وترعرعوا في دولة مبارك / الفاسدة . وأولي خطوات القضاء عليهم إقصائهم عن أماكنهم ، وعزلهم ، ومحاصرتهم حتي يتطهروا مما لحق بهم من فساد في الذمم وخراب في النفوس وانحطاط في منظومة القيم الحاكمة لهم .
وما ينطبق علي دولة مبارك ينطبق علي دولة الإخوان التي ركبت الحكم بذات أدوات وآليات وقيم رجالات الحزب الوطني ، ولكن فرع المعاملات الإسلامية . إدارة دولة الفساد بذات المنظومة ، دون تغيير سوي في الإسم . أما أنصار الرئيس الأسبق مبارك فإنهم يرون أن نقطة الإنطلاق الحقيقية للفساد تبدأ من الصغار ، ومبارك لم يكن فاسداً . ولولا فساد الصغار لما كان لفساد الكبار وجوداً ، والفاسد الكبير يلزمه فاسد صغير بالضرورة ، لزوم الوجود والعدم  ، يعاونه ، ويزين له الفساد ، ويسهل له سبله ، وييسر له أسبابه ، ويُخدِّم عليه ، وما الفاسد الكبير إلا فاسداً صغيراً قد كَبُر ، فإذا لم يكن متصوراً أن يولد الإنسان فاسداً بطبعه ، فإنه ليس من المتصور كذلك أن يفسد الإنسان بعد أن يبلغ من العمر أرزله ، خاصة مع توفر ذات الظروف السلطوية التي تهيء الفساد وتتيحه . ومن هنا ووفقاً لهذه الرؤية فإن نقطة البداية الصحيحة للإصلاح والقضاء علي الفساد تبدأ من الصغر ، من البيت ، والمدرسة ، ومقتبل الحياة الوظيفية ، ومنظومة القيم والتشريعات والقوانين السائدة . أما الإكتفاء بعزل كبار الفاسدين ومحاصرتهم وإقصائهم عن الحياة فهو معالجة للقشور دون اللب .
فجذور الفساد لا تزال ضاربة في أطناب الأرض ، حية ، نامية ، منتشرة ، مستشرية تحت السطح ، وسرعان ما سيكبر صغار الفاسدين ، ويصبحون كباراً . والواقع أنه يصعب تجاهل وجهتي النظر ، كما يصعب تبني إحداهما دون الأخري ، لما لكلتاهما من وجاهة . دعنا من الجدل الدائر حول من أفسد من ، أو أفسد مِن مَن  ، لأن السرطان يبدأ بفساد خلية واحدة ، سرعان ما تنقسم ، متكاثرة ، علي نحو غير ملموس أو محسوس أو طبيعي ، ويعد من باب العبث البحث عن هذه الخلية . فالأهم من البحث عنها البحث عن جرعات العلاج ، وتناولها علي عجل ، وتحمل آلامها ، ومرارتها ، والصبر عليها حتي تؤتي أكلها ، وتستأصل الداء من جذوره ، علي نحو لا يسمح بانتكاسة في العلاج أو عودة المرض . وأنا أري أن أولي خطوات الإصلاح ومعالجة الفساد هي الإصلاح التشريعي في كافة المجالات علي نحو لا يفتح باباً للإستثناء الفاسد ، ولا يترك باباً موارباً لسوء استغلال السلطة المخولة لأي أحد . والإلتزام الصارم بالعقوبات المقررة في هذه التشريعات تطبيقاً وتنفيذاً ، وأن تكون الحصانات المقررة لبعض الفئات منحصرة داخل دائرة العمل ، ولا تمتد إلي خارجه . وأن يرتبط التصعيد الوظيفي وجوداً وعدماً بدورات تأهيل للترقي تبتعد عن الشكلية والمظهرية ، وأن تكون اختبارات الترقي محك فعلي للقدرات التي يتمتع بها الفرد . من هنا نبدأ
حسن زايد
كاتب مصري ومدير عام 
المصدر: أوكرانيا بالعربية



ترحب "أوكرانيا بالعربية" بالنقاش الحيوي والنقد البناء، وكي لا نضطر في موقع أوكرانيا بالعربية إلى مراجعة التعليقات قبل نشرها. ننصحك بمراجعة إرشادات الاستخدام للتعرف عليها جيداً. وللعلم فان جميع مشاركاتك يمكن استخدامها، مع اسمك وصورتك، استنادا إلىسياسة الخصوصية بما يتوافق معشروط استخدام الموقع.
الآراء الواردة أدناه لا تعبر عن رأي أوكرانيا بالعربية، بل تعبر عن وجهات نظر أصحابها فقط



شريك الأخبار

Loading...