32

مــا مـعـنـي كلـمــة وطــن ؟ !.. بقلم حسن زايد

Mon, 26.10.2015 17:03



كييف/أوكرايانيا بالعربية/موقفان دفعاني دفعاً إلي كتابة هذا المقال . الأول ـ اتصال تليفوني من أحد المشاهدين ، مع برنامج " توك شو " ، علي إحدي القنوات الخاصة ، مفاده كما أفصح المشاهد : " أن وزير كذا  يدافع عن مصالح أبناء وزارته ، ووزير كذا يدافع عن مصالح أبناء وزارته . ألا يوجد وزيراً للغلابة ؟ ! " . فيبدو أنه قد أسقط في يد مقدم البرنامج ، لأنه لا يوجد حقاً وصدقاً وزيراً للغلابة ، فما كان منه ـ خروجاً من هذا المأزق ـ إلا أن قال بأن الرئيس هو وزير الغلابة . الثاني ـ موقف صديق فيسبوكي ، يقرأ مقالاتي ، فوجئت به في حوار خاص يقول لي : " كل كتاباتك عن الصفوة ، ألا تكتب عن الغلابة ؟ ! " . فأسقط في يدي ، رغم أنني لا أكتب عن الصفوة أو النخبة ، وإنما أكتب عن الأحداث والمواقف ، وللخروج من هذا المأزق وعدته بالكتابة عنهم .

 والواقع أن الإنسان نتيجة طغيان الأخبار وتواترها ، وما يترتب عليها من مواقف سياسية ، يجد نفسه مدفوعاً بالإنشغال بما يجري علي السطح ، دون أن يكلف خاطره بالنظر إلي موضع قدمه ، حيث يوجد هو مع المهمشين والغلابة والمطحونين بين شقي الرحي . وعدم الكتابة ليس امتناعاً ، ولا تعالياً ، ولا استنكافاً ، ولا علواً في الأرض ، وإنما استعفافاً وترفعاً وحياءً من أبناء هذه الطبقة .

تلك الطبقة المدهوسة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً ونفسياً وفكرياً رغم كونها الأغلبية ، وهي عماد هذا المجتمع وعموده الفقري ، ووقوده في العمل وقت السلم ، وفي المعارك وقت الحرب  ، وأحد عناصر رأسماله المستثمر في التنمية والتقدم .

 فحين نتكلم عن الجوانب الإجتماعية لها ، نجد أنها طبقة مفتتة ممزقة ، لا ينشغل بها المجتمع ، رغم كونها تنشغل به ، وله ، وكل ما يشغلها في الحياة هو الكد والسهر علي لقمة العيش ، العمل يوماً بيوم ، كي يتوفر لأفرادها قوت اليوم بالكاد ، وقد يجري إدماج وجبتين في وجبة واحدة ، ليس لكنز ثمن إحدي الوجبتين ، وإنما لضيق ذات اليد عن كفاية وجبتين متتاليتين . وقد ينام أحدهم يطوي معدته علي جوعه ، لعله يجد في نومه مخرجاً من عويلها . تجد هؤلاء في مجتمع يعاني بعض أفراده من فرط التخمة والترف والرفاه ، والوجبات الساخنة المستوردة من البلاد البعيدة علي متن طائرات خاصة ، ليس لقدرات خاصة عند أغلبهم ، ولا لما آل إلي معظمهم بطريق الإرث ، وإنما الثراء الفاحش الهابط علي رؤسهم ، من حيث لا ندري ، إذ ليس من السماء ، حيث أننا قد تعلمنا صغاراً أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ، وليس هذا من قبيل الحقد الطبقي ، وإنما صرخة من قيام المجتمع علي عدم تكافؤ الفرص بين أبناءه . ولا حقد ولا حسد ولا ضغينة فيما يأتيك من حلال ، وينفق في الحلال . دون استثمار في الفقر والمرض .

وحين نتكلم عن الجانب السياسي لهذه الطبقة ، فلا نجدهم سوي أنهم وقود لمعارك الأغنياء السياسية ، وأداة من أدوات توزيع الأدوار بينهم فيما يؤول إليهم من سلطة أو مال . فأفراد هذه الطبقة ما هم سوي أرقام صفرية في المعادلة السياسية ، يتم ترحيلهم من اليمين إلي اليسار والعكس مجاناً ، بحسب الحاجة والظرف السياسي . أما ما تدعيه الديمقراطية من كونها تحقق نظرية حكم الشعب بالشعب وللشعب ، فهو إدعاء لا يلتفت لوجود هذه الطبقة ، واللعبة السياسية كلها محصورة بين طبقة الأغنياء في المجتمع ، تدور معها وجوداً وعدماً . وإن كانت الماركسية تقول بأن الدين أفيون الشعوب ، وهو قول باطل . فأنا أقول ـ وعن حق ـ  بأن الديمقراطية هي أفيون الشعوب ، وإن كانت هي أفضل صور المشاركة السياسية في العالم حتي الآن . فحيث لا يكون لمجموعة أو شريحة أو طبقة من الناس من دور في المشاركة السياسية ، سوي انتظار موسم الإنتخابات ، حتي يفيض عليهم الأغنياء بما تجود به أنفسهم ، من مأكل أو ملبس أو نقود ؛ لسد الجوعة أو ستر العورة أو مواجهة غوائل الحياة ، فلا حياة .

 أما إقتصادياً فحدث ولا حرج ، وابدأ من نقطة الصفر ، ثم اهبط حتي تصل إلي ما تحت القاع . من الموظف أو العامل الذي يعمل ليل نهار ـ عمل يمتصه حتي نخاع العظام ـ ولا يكاد يكفي أهل بيته ، من مأكل أو مشرب أو ملبس أو مسكن ، ويستدين حتي يكمل دائرة الشهر ، ويدخل في دائرة الفقر ، التي إذا دخلها لا يكاد يخرج منها إلا إلي قبره ، تاركاً رغماً عنه من يعول يتكففون الناس . ثم انزل درجة إلي من يعمل باليومية ، ثم إلي أولئك الذين يتسولون بما يحفظ عليهم بقية من كرامتهم المبعثرة علي أرصفة الحياة ، بقيامهم بمسح سيارات المارة ، أو مسح الأحذية ، أو بيع المناديل ، أو الزهور في إشارات المرور ، أو أولئك الذين يكنسون الشوارع ، وينظرون إليك نظرة من ألجأتهم الحاجة إلي النظر . أو من يتسولون وهم مطاردون بالنظرات والكلمات في مجتمع ضن عليهم بالعمل . إلي من يفترشون الأرض ، ويلتحفون السماء ، أرديتهم علي قذارتها تستر العورة ، ولا تقي من البرد ، ليس باختيارهم ، ولا تمرداً منهم علي رغد العيش ، وبحبوحة الحياة ، وإنما لأنهم ليسوا رقماً في حياة هذا الوطن حتي يجدوا في أنفسهم مبرراً موضوعياً للولاء والإنتماء .

أما النواحي الفكرية والنفسية فهي بنت هذا التردي والسقوط المروع  لهم ولمجتمعهم الذي همشهم ، وضن عليهم ، ونظر إليهم شذراً وتأففاً ، وألقي بهم إلي هامش الحياة . وهنا يأتي السؤال : أليسوا أبناءًا للوطن ؟ .  فما معني الوطن إذا لم يكن فيه وطن ؟ . لا أملك فيه مسكناً يؤيني ، ولا ملبساً يسترني ، ولا مأكلاً يسد رمقي ، ولا مشفاً يعالجني ، ولا أحداً يحنو علي .لا شئ لي فيه ولا معني ، فما معني كلمة وطن ؟ !

. ألم يأن لنا أن نلتفت إلي هؤلاء باعتبارهم شركاء الوطن ؟ ! . أفيقوا يرحمنا ويرحمكم الله ! .

حسن زايد

كاتب مصري ومدير عام

المصدر: أوكرانيا بالعربية

ترحب "أوكرانيا بالعربية" بالنقاش الحيوي والنقد البناء، وكي لا نضطر في موقع أوكرانيا بالعربية إلى مراجعة التعليقات قبل نشرها. ننصحك بمراجعة إرشادات الاستخدام للتعرف عليها جيداً. وللعلم فان جميع مشاركاتك يمكن استخدامها، مع اسمك وصورتك، استنادا إلىسياسة الخصوصية بما يتوافق معشروط استخدام الموقع.
الآراء الواردة أدناه لا تعبر عن رأي أوكرانيا بالعربية، بل تعبر عن وجهات نظر أصحابها فقط



شريك الأخبار

Loading...
728*90