32

هــات من الآخــــر!!.. بقلم حسن زايد

Sat, 12.12.2015 21:57



كييف/أوكرانيا بالعربية/ويبقي السؤال معلقاً فوق الرؤوس، متبوعاً بعلامة تعجب ضخمة . ولا ريب لدينا جميعاً أن المفتاح المناسب لكل المغالق هو في إجابة هذا السؤال . فما السؤال إذن ؟ . السؤال هو : ماهي القوة الجاذبة لدي تنظيم داعش ، ليست موجودة لدينا ؟ . وما هي القوة الطاردة لدينا وليست موجودة عند داعش ؟ .

هاتان القوتان هما الأصل في انتقال الشباب من الجانب المعتدل ، إلي الجانب المتطرف . من التيار العام الغالب ، إلي التيار الراديكالي الجارف . من جانب السماحة والرحمة واليسر ، إلي جانب القساوة والغلظة والفجور . من جانب الحياة والتعمير ، إلي جانب القتل والتدمير .

ذهب البعض في محاولة للإجابة عن هذا السؤال ، وتفسير هذه الظاهرة ، إلي القول بقضية الفقر ، فظهر أعضاء في خلايا إرهابية ، يعانون من الترف والرفاهية . وذهب البعض الآخر في إجابته وتفسيره إلي القول بضآلة ومحدودية مستوي التعليم ، فظهر من بينهم من هو حاصل علي الدكتوراه ، وبلغ درجة الأستاذية في مجاله . بل وفي مجال العلوم الإسلامية . وذهب بعض ثالث إلي القول بالإحساس بالقهر والإضطهاد والتسلط الذي تعرضت له البلدان الإسلامية ، علي أيدي الدول الإستعمارية ، والحروب الصليبية الظاهرة والخفية ، الخشنة والناعمة التي تقع في مواجهة الإسلام . فإذا ببعض هذه الجماعات تتوجه بنشاطها التخريبي الإرهابي إلي الدول الإسلامية بدلاً من التوجه إلي الدول ، مصدر الخطر علي الإسلام والمسلمين ، إن كان ذلك مفهومهم . وذهب بعض رابع إلي القول بأن جذور الفكر الإرهابي موجودة في التراث الإسلامي ، وفي طيات الكتب القديمة ، وفي سطورها ، وبين سطورها . إلا أن هذا البعض لم يستطع أن يفسر لنا كيف يجمع الكتاب المقدس للمسلمين بين آيات التفجير والعدوانية والإرهاب ، وآيات الرحمة والسلام .

ربما يكون كل مذهب من هذه المذاهب في الإجابة ، ومحاولة التفسير ، له طرف ، أو نمنمة  ـ ظاهرة أو خفية ـ في تركيبة شخصية المتطرف الإرهابي . وقد تمثل في مجموعها أثراً بالغاً في تكوين الشخصية ، إلا أنها ليست الرافد الرئيس لهذا التكوين . وقد يمثل علاجها أو علاج بعضها حلاً مؤقتاً ، أقرب إلي علاج المسكنات الذي قد يخفف العرض إلا أنه لا يعالج المرض .

أعلم أن هناك من قال في محاولة الإجابة ، أو التفسير بنظرية المؤامرة . المؤامرة الأورو/ أمريكية علي المنطقة لأسباب ودواعي شتي ، منه ما نعلمه ، وما خفي منه أعظم  . وأنا لست ضد نظرية المؤامرة بالمطلق ، ولا معها بالطلق . وإشكالية نظرية المؤامرة عندي في تساؤل مؤداه : هل المؤامرة سبب أم نتيجة ؟ . والأمر هنا قد يختلط فيه السبب بالنتيجة علي نحو يتعذر معه التدخل الجراحي للفصل بينهما  . وفي الحالتين تكون نقطة البداية لدينا في السبب والنتيجة . ولابد أن نعترف بأن الغرب يجيد استخدام الظاهرة  لخدمة أغراضه ، سواء اختلقها أو استغلها .

ويبقي السؤال الأهم : ماهي العوامل الطاردة لدينا ، والجاذبة لديهم ، والتي تدفع الشباب إلي مغادرتنا ، والذهاب إليهم ؟ .

الجميع يلقي باللوم علي الشباب ، وينسي نفسه ، مع أن الشباب تفاعل مع قناعاته التي آمن بها وصدقها ، وطبيعي أن ينجذب إلي ما يخدم هذه القناعات . فهل استطعنا نحن الوقوف علي هذه القناعات ، والتفاعل معها ، وترشيدها ، دون أن نترك في نفوس الشباب انطباعات الوصاية والرقابة .

الخلل الحقيقي لدينا نحن ، فنحن من فشل في اللحاق بركاب العصر ، وفشلنا في التواصل مع الشباب الذي يعيش عصره ، وينفعل به ، ويتفاعل معه ، منسلخاً عن حالة الجذب إلي الخلف التي نمثلها له ، فانفلت من العقال ، عقال العادات والتقاليد والأخلاق التي فشلنا في تقديمها له مبررة مقنعة ، فأصبحت من وجهة نظره لا شيء . فشلنا في نقل الدين من بطون أمهات الكتب إلي سلوكنا ومنهجنا المعاصر في الحياة ، ولم نحافظ منه إلا علي المظاهر والقشور .

وفي الجانب الآخر ، نجد من قدم للشباب نماذج محددة واضحة قاطعة للسلوك . وبمنطقهم المحكوم بقاعدة " هات من الآخر " ، قدموا للشباب صورة الإسلام ، وصورة المسلم . نماذج سلوكية غير مترددة ، تتسم بالوضوح والصراحة والصرامة . بغض النظر عن مدي صحتها ، أو مطابقتها للشرع الحنيف  . إلا أنها انتقلت من مستوي الكلام المسطور ، إلي مستوي السلوك المنظور .

إذن المطلوب أن نفتش علي الإجابة والتفسير في حجورنا نحن دون مواربة ، أو لف ودوران .

حسن زايد

كاتب مصري ومدير عام

المصدر: أوكرانيا بالعربية



ترحب "أوكرانيا بالعربية" بالنقاش الحيوي والنقد البناء، وكي لا نضطر في موقع أوكرانيا بالعربية إلى مراجعة التعليقات قبل نشرها. ننصحك بمراجعة إرشادات الاستخدام للتعرف عليها جيداً. وللعلم فان جميع مشاركاتك يمكن استخدامها، مع اسمك وصورتك، استنادا إلىسياسة الخصوصية بما يتوافق معشروط استخدام الموقع.
الآراء الواردة أدناه لا تعبر عن رأي أوكرانيا بالعربية، بل تعبر عن وجهات نظر أصحابها فقط



شريك الأخبار

Loading...
728*90