32

أوكرانيا والاتحاد الأوروبي بين إتحادين .. الروسي والأمريكي... بقلم منعم الزهيري

Tue, 22.11.2016 16:29



كييف/أوكرانيا بالعربية/كتبت في وقت سابق عندما انعقدت أخر قمة للناتو في وارسو مقالا تحت عنوان ( أوكرانيا بين روسيا والناتو) ولكن خلال هذه الفترة القصيرة التي مضت بعد أخر قمة للناتو وقمة الاتحاد الأوربي التي انعقدت مؤخرا، جرى الكثير من المتغيرات الحرجة بحيث أرى أن كل العناوين سوف تتغير وأولها أوكرانيا.

أوكرانيا التي كانت دائما وأبدا محور الصراع بين روسيا والاتحاد الأوربي أرى أن قضيتها أصبحت اقل أهمية لكلا الطرفين وأحلام أوكرانيا الوردية بدأت تقل شيئا فشيئا وأنها خسرت الكثير او على اقل تقدير أنها اكبر الخاسرين قياسا للأطراف المتصارعة الأخرى ( الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ) وبذلك انتقل محور الصراع الذي يعني الاتحاد الأوروبي الى التأرجح بين روسيا وأمريكا

وفي هذا الوقت انعقدت قمة الاتحاد الأوروبي التقليدية في بروكسيل العاصمة وكان بالأصل جدول الأعمال يتضمن خروج بريطانيا من الاتحاد واتفاق التجارة الحرة مع كندا والحرب في سوريا ودور روسيا فيها

ومن خلال متابعة الوضع بشكل عام والتمعن في جدول الأعمال والاتصالات واللقاءات الرسمية والغير رسمية نرى أن هناك تشتت في الأفكار من قبل زعماء الاتحاد وهذا يحصل لأول مرة منذ تأسيسه وهناك تخوف جدي ومتزايد من تطور الأوضاع في سوريا ودور روسيا فيها فالكل يخشى من المستقبل المظلم فأوربا شهدت الحربان ولا تريد أن تذوق الثالثة.

ولكن ما تقوم به روسيا من استعراض للعضلات في الساحة الدولية قد دفع أوروبا الى القلق المتزايد وهذا واضح من خلال ما صرح به زعماء الاتحاد فكل واحد منهم عبر عن قلقه بطريقة مختلفة ولكن النتيجة واحدة ... وهي التخوف والقلق من الدب الروسي ..

من جهته قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك قبل الاجتماع وانعقاد القمة ( اليوم ليس يوم قرارات لكن على الاتحاد الأوروبي ان يبقي كل الاحتمالات مفتوحة) وقد صرح بدوره الرئيس الفرنسي هولاند عن نيته بأقناع نظرائه بممارسة كل الضغط اللازم على روسيا لكي يتم تمديد الهدنة في حلب ولكي تصل الى المدنيين المساعدة الأنسانية . و حول العقوبات قال هولاند ( كل الاحتمالات واردة طالما أن وقف أطلاق النار لا يحترم و طالما توجد هذه الأرادة لتدمير حلب المدينة التي تستشهد) على حد تصريح هولاند  اما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فكان لها موقف واضح تجاه الأحداث الجارية  فقالت( نأمل أن نكون قادرين ان نعلن بكل وضوح أن ما يحدث في حلب بدعم روسي هو غير أنساني أطلاقا ).

هذا أهم ما صرح بيه بعض الزعماء الأوربيين ولكن نرى في نفس الوقت هناك تباين في الأراء بين خضوع أوربا لأمريكا بشكل تام والموقف من الأحداث .. فالاتحاد الأوربي أصبح فعليا منقسم تجاه الصراع بين روسيا وأمريكا .فبعد تلك التصريحات التي أدلى بها بعض زعماء الاتحاد . هناك تصريحات أخرى تعطينا رأي اخر مخالف لما تطرق اليه زعماء اخرون . فإيطاليا على سبيل المثل، ترى ضرورة تشكيل جبهة موحدة لمواجهة الإرهاب. وقد صرحت وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي، بشأن التناقضات بين موسكو وواشنطن، بأنه ( في الآونة الأخيرة، كان هناك توتر بشأن القضايا المتصلة بتكنولوجيا المعلومات، وبسبب وجهات نظر مختلفة بشأن الحرب في سوريا، ومع ذلك فهناك حاجة إلى تقارب جديد لتعزيز جبهة مشتركة ضد العدو، وهو الإرهاب.. بل ولإستئناف الحوار بين روسيا وحلف الناتو.. وضرورة طمأنة دول أوروبا الشرقية بأن روسيا لا تمثل خطرا عليها )

أما وزير الخارجية البلجيكي ديدييه ريندرز، فقد أعرب وبشكل صريح ( بأنه لا ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يترك روسيا والولايات المتحدة تنفردان بالمفاوضات بشأن تسوية الأزمة السورية، بل يجب أن تكون بروكسل لاعبا نشطا في هذه العملية) . وقال ايضا (عندما تتحدث أوروبا بصوت واحد، يكون لديها دور يجب أن تلعبه. وفي حال غياب هذا، نترك أرض فارغة للمفاوضات الحصرية بين واشنطن وموسكو). هذا التصريح المهم لوزير الخارجية البلجيكي حول دور "بروكسل" كمركز للاتحاد الأوروبي المعني بالدور الأوروبي وبالمخاطر والتهديدات التي قد تواجه أوروبا في المستقبل، يعكس مستوى آخر والوجه الاخر  من جوهر الوجود الأوروبي ، غير ذلك المستوى الظاهر ألظاهر للجميع و المتعلق بالتصريحات الساخنة لهذا الزعيم أو ذاك لأسباب تتعلق بدواع  انتخابية أو إعلامية أو سياسية قصيرة الأمد. وروسيا في هذا المشهد لا يمكن مقارنتها بالولايات المتحدة، لأنها جزء من الأمن الأوروبي، شاءت واشنطن او لا ...

لذلك نرى ان بعض زعماء الاتحاد الاوربي يريدون فرض المزيد من العقوبات على روسيا بسبب موقفها في سوريا ولكن نرى ان البعض الاخر من الزعماء قد رفض فرض عقوبات جديدة على روسيا وهذه هي كانت نتيجة القمة الاوربية فقد خرجت دون ان تتخذ قرارا بفرض عقوبات جديدة على روسيا ...

روسيا التي استخدمت حق النقض الفيتو خمس مرات لحد الان منذ اندلاع الازمة السورية وكانت مانع وحجر عثرة  لصدور العديد من القرارات التي تتعلق بالشأن السوري وكذلك التلميح باعادة قواعدها في كوبا وفيتنام والمناورات العسكرية الضخمة التي تجريها منفردة على أراضيها الشاسعة وغير منفردة مع بعض حلفائها الازلين مثل التنين الصيني والحلفاء الجدد مثل مصر . وهي تستخدم احدث التكنولوجيا العسكرية المتطورة وأخرها الصاروخ الشيطان الذي دب الرعب لدى الغرب .ومن جه اخرى  اقتصاديا فأن روسيا قد تجاوزت مخاطر العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من قبل الاتحاد الاوربي وامريكا بعد الازمة الاوكرانية وفي ظل هذه العقوبات فأن الاقتصاد الروسي قد حقق نمو وان كان ضئيل .اضافة الى  تصدع تدريجي في هذه العقوبات والمواقف المعارضة . .

اما أمريكا فكانت وما زالت تمسك العصى من المنتصف فهي من تخلق الازمات وتملك الحلول فهي تراقب وبشكل حذر ما تقوم به روسيا في الساحة الدولية وخصوصا ما يقوض هيمنتها العالمية وان وصول ترامب الى منصب الرئيس بالتاكيد سوف يكون له دور اساسي في احداث  المتغيرات .

وبين هذا وذاك يبقى الاتحاد الاوربي بين مطرقة روسيا وسندان الولايات المتحدة فهو يجاور روسيا العظمى في ظل سياسة بوتين المتصلبة وامريكا البعيدة والقابعة وراء المحيطات .والتخوف المحتمل من خروج دول اخرى من الاتحاد الاوربي بعد بريطانيا ومما قد يؤدي الى انهيار البيت الاوربي او على الاقل  قد يسبب انهيار اقتصادي محتمل ...

وهنا تذكرت ما قالة غوستاف لوبون في كتابه الشهير سيكولوجية الجماهير ( لا جماهير دون قائد كما لا قائد من دون جماهير ) فقادة اوربا 28 هل يستطيعون أقناع جماهيرهم الذين يتوزعون في 28 بلدا أوربيا بأنهم قادرين على تجنيب اوربا حربا ثالثة قد تحرق الاخضر قبل اليابس . والتوصل الى حلول ثابتة ومجدية وايجاد سياسة عادلة بين العملاقين روسيا وامريكا ..ومن جهتها هل تستطيع الجماهير الاوربية (والتي هي مختلفة الأجناس والأعراق واللغات والديانات والقوميات ) ان تبقى على الحياد من اجل تحقيق السلام دون الانجرار وراء الأحداث المتسارعة في العالم وخصوصا أن اوربا كانت وما زالت تملك اقتصادات قوية جدا وانظمة سياسة علمانية ومعتدلة وعادلة ..

الاتحاد الاوربي كان حلما للشعوب الاوربية وقادتها وأصبح وعلى مراحل  حقيقة واقعية ولها نظام خاص وفضاء اوربي شاسع وعملة نقدية متداولة . فهل تستطيع الشعوب الاوربية وقادتها الحفاظ عليه ومن ثم الاستمرار بدوره الفعال في الساحة الدولية والمساهمة في انهاء الصراع الازلي بين روسيا وامريكا .

أني ارى ان بريطانيا هي ليس اخر الخارجين  من الاتحاد الاوربي وان هناك دول أخرى سوف تحذو حذو بريطانيا وتعلن خروجها من الاتحاد الاوربي والاسباب متعددة تطغى عليها المصالح الفردية للدول الاعضاء وتزايد الرغبة بعدم التقيد بما لا ترغبة هذه الدول الاعضاء لتحقق رغبة الاخرين وهناك مؤشر على هذه الرغبة المتزايدة وهي عندما رفض برلمان مقاطعة والونيا البلجيكي المصادقة على اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الاوربي وكندا بعد ان صوت عليه اغلب دول الاتحاد في هذه القمة التقليدية .ونفس الاتجاه بدا ينشط في المعارضة الفرنسية ومن قبلها اسبانيا واليونان والعديد من الدول الاوربية .لذلك أرى ان مصير الاتحاد الاوربي في خطر وانه أمام جملة من التحديات الكبيرة والتي على الاتحاد الاوربي ان يتجاوزها  اذا اراد الحفاظ على عقده دون التفريط بأي عضو من أعضاءه وفي ظل المؤشرات الحالية فأن تحقيق هذا في غاية الصعوبة .

ثلاث اتحادات محورية ومهمة ( الاتحاد الاوربي والاتحاد الروسي والاتحاد الامريكي ) بالتأكيد من الصعب التعايش سوية وبشكل متوازن وخصوصا تجمعهم صراعات من اجل ان يكون احدهم الأقوى على حساب الأخر .النتيجة الحتمية هي لابد من زوال احدهم او على اقل تقدير ضعفه وان يصبح تابعا لغيره والاتحاد الاوربي هو المرشح الاول للتراجع او التصدع . ومن ثم يصبح تابعا لغيره . ومن هذا الغير هل هو الجار الشرقي والعودة الى اوربا الشرقية كما كانت ام الالتحاق بالجار الغربي البعيد وهنا فأن أجراس الحرب قد تدق من جديد . ننتظر ونرى ....

منعم الزهيري

محامي وباحث في العلاقات الدولية

والقانون في أوكرانيا والاتحاد الاوروبي

محاضر بكلية الامام الكاظم - العراق/قسم القانون

المصدر: أوكرانيا بالعربية



ترحب "أوكرانيا بالعربية" بالنقاش الحيوي والنقد البناء، وكي لا نضطر في موقع أوكرانيا بالعربية إلى مراجعة التعليقات قبل نشرها. ننصحك بمراجعة إرشادات الاستخدام للتعرف عليها جيداً. وللعلم فان جميع مشاركاتك يمكن استخدامها، مع اسمك وصورتك، استنادا إلىسياسة الخصوصية بما يتوافق معشروط استخدام الموقع.
الآراء الواردة أدناه لا تعبر عن رأي أوكرانيا بالعربية، بل تعبر عن وجهات نظر أصحابها فقط



شريك الأخبار

Loading...

تواصلوا معنا على شبكة الفيسبوك

شريك الأخبار