32

الــسيـسي واســتراتيجية الـتـوجه الإفـريقـي... بقلم حسن زايد

Tue, 24.03.2015 18:37



كييف/أوكرانيا بالعربية/لست من هواة ـ ولا محترفي ـ التطبيل والتزمير ، وتصدر مواكب النفاق لأحد . كما أنني لست من هواة ـ ولا محترفي ـ لطم الخدود ، وشق الجيوب ، وتصدر مواكب الجنائز لإهالة التراب علي أحد . كما أنني لست ممن يسعون إلي التهويل ، ولا من يسعون إلي التحقير والتهوين . أنا فقط ممن يرون الأشياء كما هي ، وأهوي نقلها كما أراها . ومن هنا لن أعزو للرئيس السيسي فضل اكتشاف الظهير الأفريقي لمصر ، ولا البعد الإستراتيجي للأمن القومي المصري ، الذي يمتد إلي أعماق هذه الأدغال والأحراش الأفريقية . فقد سبقه إلي هذه الرؤية حكام آخرين ، منذ أيام الفراعنة ، وقد كانت أول بعثة مصرية معروفة  إلي إفريقيا ـ بلاد بنط ، الصومال حالياً ـ في عهد فرعون مصر ساحورع , ثم بعثة في عهد الفرعون جد كا رع ، ثم منتحوتب الثالث ، ثم الملكة حتشبسوت .

وقد كانت هذه البعثات تجارية ، وقد حفظت ذاكرة التاريخ حملات عسكرية في ذات الإتجاه . وفي العصر الحديث بعث محمد علي برحلات استكشافية لمنابع النيل الإستوائية ، وبالقطع فإن هذه الرحلات كانت تكتشف أيضاً الأقاليم التي يمر بها نهر النيل . ولا شك أن ثورة يوليه 1952 م ـ رغم ما تعرضت له من انتقادات في هذا المجال ـ قد أدركت البعد التاريخي والجغرافي للقارة الأفريقية ، وأهميتهما للبعد الإستراتيجي للأمن القومي المصري ، ومن هنا كان تحركها في مساعدة حركات التحرر الأفريقية ، والمساعدة في تخليص دولها من الإرث الإستعماري ، التي رزحت تحت نيره لعقود طويلة .

وقد كانت مصر صاحبة فكرة منظمة الوحدة الأفريقية ، التي تحولت فيما بعد إلي الإتحاد الأفريقي الحالي . وما حدث بعد العهد الناصري أن ولت مصر / السادات وجهها شطر أوروبا وأمريكا ، وقد دعمت مصر / مبارك هذا التوجه ، إلي حد أفضي في النهاية إلي تحلل  الأفارقة من ارتباط  الحب التاريخي لمصر، وشعورهم بحالة الإستعلاء والكبر التي أضحت مهيمنة علي سلوك مصر الرسمية تجاه بعدها الأفريقي . وفي أعقاب ثورة يناير 2011 م  بدأت أثيوبيا في انشاء سد النهضة .

وبعيداً عن النواحي الفنية ـ التي بالقطع لا يمكننا الإفتاء بشأنها ، أو الإجتهاد فيها ـ أشيع في أحسن الفروض أن هذا السد سيؤثر علي حصة مصر من المياه تأثيراً بالغاً سينتهي بنا إلي تعطيش مصر ، خاصة في ظل السعي الإثيوبي إلي بناء مجموعة أخري من السدود . وقد عملت الميديا علي هذا المف علي نحو هستيري وصل إلي حد أننا بصدد سدود ستدفع بأثيوبيا إلي بيع المياه لمن يريد أو يرغب . وقد جاء الإجتماع التلفزيوني الكارثي الذي عقده مرسي مع ممثلي القوي السياسية ، علي الهواء مباشرة ، لوضع استراتيجية مواجهة مخاطر السد الأثيوبي ، ليهدم ما تبقي من جسور الثقة في حدها الأدني التي تسمح بإجراء حوار كأحد الخيارات المتاحة ، فضلاً عن الفرصة الذهبية التي قدمت لأثيوبيا ـ مجاناً ـ لتشويه صورة الموقف المصري ، بما يحول بين مصر وبين تشكيل تحالف دولي متعاطف معها علي هذا الصعيد ، يمثل سنداً وظهيراً لها حال اتخاذ أي إجراءات أو تدابير تحول دون وقوع أي أضرار محتملة لمصر جراء استكمال بناء هذا السد . وقد ذهب هذا الإجتماع بالملف إلي طريق مسدود ، وقد جري وضع ظهر مصر إلي الحائط .

وجاءت ثورة يونية لتجد مصر نفسها في مأزق ضرورة ترميم ما تم تصدعه من علاقات أفريقية سواء فيما بعد عبد الناصر ، أو ما بعد مرسي . خاصة في ظل وجود أياد دولية عابثة في الملف الأفريقي ، وعلي الأخص  ملف المياه الذي يمثل قضية وجود بالنسبة لمصر .  ولا يشغلني كثيرا ما يجري الإختلاف حوله بين الخبراء ، عن الحلول والحلول البديلة المطروحة أمام متخذ القرار ، وما يمكن تحقيقه ، وما لا يمكن تحقيقه من خلال الحل الأمثل / النموذج . ولكن ما شغلني حقاً هو تسليم الملف لمؤسسات الدولة للعمل عليه ، واقتراح الحلول وطرح البدائل ، واختيار الحل الأمثل في ظل المعطيات المحلية والدولية الفاعلة .

وهذا ما كنا نفتقده في مصر ، وهو الحضور الفعلي للعمل المؤسسي في اتخاذ القرارات السياسية في مصر ، حيث تعمل المؤسسات ويعتمد الرئيس . ثم جاء تحرك الرئيس علي الملف ، ليفصح عن ملامح استراتيجية مصر الجديدة تجاه عمقها الأفريقي . ولعل منهجية التعامل مع ملف المياه وسد النهضة تعكس بوضوح ملامح  تلك الإستراتيجية . فالتوقيع علي إعلان المباديء كان تتويجاً لنشاط دبلوماسي مكثف ، اعتمد في الأساس علي الدبلوماسية الناعمة . وقد شمل الإعلان علي عشرة مباديء هي : 1 ـ مبدأ التعاون . 2 ـ  التنمية والتكامل الاقتصادى . 3 ـ التعهد بعدم إحداث ضرر ذى شأن لأى دولة .4ـ  الاستخدام المنصف والعادل للمياه . 5ـ التعاون فى عملية الملء الأول لخزان السد وتشغيله السنوى . 6ـ مبدأ بناء الثقة .7ـ  ومبدأ تبادل المعلومات والبيانات . 8ـ ومبدأ أمان السد . 9ـ ومبدأ احترام السيادة ووحدة أراضى الدولة .10 ـ مبدأ الحل السلمى للنزاعات .  وكلها مباديء تتفق وقواعد القانون الدولي الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية ، وتحفظ في ذات الوقت الحقوق والمصالح المصرية ، فضلاً عن توفيرها آلية للتعامل بين الدول الأفريقية.

وتعد هذه الوثيقة وثيقة دولية يمكن استخدامها حال تعنت الجانب الإثيوبي . ولعل منهجية التعامل مع ملف المياه ، قد فتح الباب علي مصراعيه أمام القوي المصرية الناعمة للولوج إلي القارة الأفريقية ، وقطع الأيدي العابثة في الظهير الأفريقي لمصر ، باعتبار أن أفريقيا هي القاعدة الصلبة لمصر نحو الإنطلاق إلي الآفاق الأرحب ، بعد أن اهملناها ، وتعلقنا بأذيال الأمريكان والغرب لعقود طويلة ، فصرنا كمن رقص علي السلم . وهذا الإتفاق هو بمثابة تدشين لمرحلة جديدة من التعاون والتنسيق ، وخلق آلية لتسوية النزاعات . وما حدث ـ رغم أنك قد تجد بعض الإختلافات حوله ـ يمثل حالة إنعاش للذاكرة الأفريقية ، ومحاولة استعادة الرصيد التاريخي  الذي استودعته مصر قلوب الأفارقة ، علي مدار عقود .

حسن زايد 

كاتب مصري ومدير عام

المصدر: أوكرانيا بالعربية

ترحب "أوكرانيا بالعربية" بالنقاش الحيوي والنقد البناء، وكي لا نضطر في موقع أوكرانيا بالعربية إلى مراجعة التعليقات قبل نشرها. ننصحك بمراجعة إرشادات الاستخدام للتعرف عليها جيداً. وللعلم فان جميع مشاركاتك يمكن استخدامها، مع اسمك وصورتك، استنادا إلىسياسة الخصوصية بما يتوافق معشروط استخدام الموقع.
الآراء الواردة أدناه لا تعبر عن رأي أوكرانيا بالعربية، بل تعبر عن وجهات نظر أصحابها فقط



شريك الأخبار

Loading...
728*90