32

الأردن في خطر.. وتحذير شيخ الحضرة الهاشمية لملوك وأمراء الخليج غير مسبوق... بقلم عبد الباري عطوان

Mon, 23.01.2017 18:52



كييف/أوكرانيا بالعربية/عندما يلقي الشيخ احمد هليل امام الحضرة الهاشمية وقاضي قضاة الاردن خطبة نارية غير مسبوقة من على منبر مسجد الملك الراحل حسين بن طلال، ويحذر فيها ملوك وامراء الخليج من انهيار البلاد، ويبكي مرتين، وهو الرجل الوقور اثناء هذا التحذير الذي قال فيه “حذار.. حذار.. من ان يضعف الأردن”، مضيفا “لقد بلغ السيل الزبى.. اخوانكم في الاردن ضاقت الاخطار حولهم واشتدت”، فإن هذا يعني ان هناك امرا جللا.

هذا الخطاب يذكرنا بآخر مماثل القاه العاهل الاردني امام قادة الدول العربية في القمة العربية التي انعقدت في بغداد في ايار/مايو عام 1990، ووجه التحذير نفسه الى السعودية والخليج، ووصفها بأنها “مدن الملح”، واستخدم بيت الشعر الذي يقول “أضاعوني وأي فتى أضاعوا” من قبيل التنبه وشرح الحال، لانها لم تستجب لنداءات الاغاثة التي وجهها قبلها طلبا المساعدة، وترددت انباء في حينها ان الخزينة الأردنية كانت شبه خاوية، ولا يوجد فيها ما يكفي لتسديد رواتب موظفي الدولة الا لمدة شهرين فقط.

دول الخليج والسعودية لم تستجب لخطاب العاهل الأردني الراحل، الذي يقال ان الدكتور خالد الكركي الذي كان رئيس الديون في حينها هو الذي صاغ عباراته القوية العاتبة على هذه الدول، لم تستجب مطلقا لما ورد فيه من تحذيرات، وبادر الرئيس العراقي صدام حسين بتقديم مساعدات مالية عاجلة للاردن، وكذلك لمنظمة التحرير الفلسطينيىة، وقال لي الرئيس ياسر عرفات ان الرئيس العراقي قدم للمنظمة 50 مليون دولار لدعم الانتفاضة، وعندها قال له الرئيس عرفات عندما قدم له الصك بالمبلغ، “يا فخافة الرئيس العراق يمر في ظروف مالية صعبة، والشعب الفلسطيني يقدر ذلك ولا يريد اضافة اعباء اخرى عليه”، رد الرئيس العراقي قائلا “يا ابا عمار ديون العراق تبلغ 50 مليار دولار حاليا، ولتصبح 50 مليارا وخمسين مليون دولار، كل شيء يهون من أجل قضية فلسطين واهلها”. 

التجاهل الخليجي لازمة العراق المالية اولا، وتورط دولا من بينها بأغراق الاسواق العالمية بكميات هائلة من النفط الزائد، قدرها خبراء بأكثر من مليوني برميل في حينها ادت الى انخفاض اسعار النفط الى اقل من عشرة دولارات للبرميل، وما حدث بعد ذلك بثلاثة اشهر قام الرئيس صدام حسين بغزو الكويت واحتلاله، وبقية القصة معروفة.

الحكومة الاردنية انتظرت حتى نهاية العام الماضي على أمل ان تجدد دول الخليج منحتها الخمسية، وتقدم للاردن خمسة مليارات دولار اخرى على مدى خمس سنوات، ولكن خاب هذا الامل واصبح الاردن يمر بظروف مالية صعبة، حيث بلغ الدين العام حوالي 37 مليار دولار، ووصل العجز في ميزانية العام الجديد حوالي 1.1 مليار دولار، مما دفع حكومة السيد هاني الملقي الى فرض ضرائب تصاعدية على حوالي 95 سلعة في محاولة لسد هذا العجز جزئيا.

الضرائب الجديدة اثقلت كاهل المواطن الاردني، واحدثت ارتفاعا كبيرا في الاسعار، انعكست على شكل احتجاجات، واضرابات، واعتصامات، وحالة من الغضب في اوساط الضباط الكبار المتقاعدين، وفي بعض المحافظات الاردنية الجنوبية والشمالية التي تعتبر المخزون الابرز للولاء للحكم الهاشمي، وهذا ما يفسر تحذير الشيخ هليل في خطبته “ان المظاهرات والمسيرات في الشارع الاردني قد تقود الى دمار”.. مطالبا الاردنيين بالنظر الى ما يحدث في العراق وسوريا وليبيا بعد خروج الناس الى الشوارع، مثلما حذر ايضا من سقوط المسجد الاقصى.

الاردن، ومثلما قال الشيخ هليل، كان سندا لدول الخليج، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، حيث حمى حدودها الغربية، ومنع اي تسلل ارهابي، او تخريبي عبرها، ولا تستحق لمثل هذا الخذلان، وهي التي تلقت وعودا بضمها الى مجلس التعاون الخليجي الى جانب المغرب عندما بدأت ثورات “الربيع العربي” تهدد بالتمدد الى دول هذا المجلس عام 2011، ولكنها تبخرت بعد زوال الخطر.

الدول الخليجية تتذرع بأوضاعها المالية الصعبة بسبب انخفاض اسعار النفط، وتراجع الاحتياطات المالية لبعض دولها، ولكن الاردن لا يطلب الكثير، حسب آراء بعض الخبراء، ورؤساء الوزراء السابقين.

في ازمة الاردن المالية عام 1990 انحاز العاهل الاردني الراحل الملك حسين الى معسكر “الضد” الذي كان يعارض تدمير العراق بعد الغزو، ووقف الى جانب الشعب العراقي اثناء الحصار الذي فرض عليه لحوالي 13 عاما، وادى الى مقتل مليون عراقي جوعا ومرضا.

السؤال الذي يطرح نفسه هو عن طبيعة رد العاهل الحالي، الملك عبد الله الثاني، اذا لم تعط مثل هذه التحذيرات اي نتيجة.. فهل سيذهب الى ايران، ويتصالح مع النظام السوري، وينضم الى معسكر “دول الممانعة”، ويفتح ابواب بلاده امام السياحة الشيعية؟

مصر سارت على هذا الدرب، وذهبت الى العراق لتعويض المنحة النفطية السعودية، وحصلت على مليوني برميل نفط شهريا، مليون لسد احتياجاتها، ومليون آخر لتكريره في مصافيها، واعادة تصديره الى العراق وبأرباح تغطي قيمة المليون الاول الخاص بها، فهل يوفد العاهل الاردني رئيس وزرائه الى العراق، لطرق البوابة الايرانية؟

لا نملك اي جواب.. ولكن وضع الاردن المالي المتأزم، وتملل الشارع قد يدفع بالحكومة الاردنية في هذا الاتجاه، تماما مثلما فعل الملك حسين قبل 27 عاما، فقط طفح الكيل فيما يبدو، وتجاوز الصبر حدوده.. والملك عبد الله الثاني اعلم!

الشيخ تعرض للكثير من الهجوم على وسائط التواصل الاجتماعي، وفي وسائل اعلام تقليدية، لأنه تجاوز المحظورات في نظر البعض، ووضع الأردن في صورة “المتسول” من وجهة نظر البعض الآخر، وانتهى الامر بالسلطات الأردنية العليا الى قبول استقالته من جميع مناصبه، وربما ليس بسبب هذا الجدل، وانما لامتصاص غضب بعض الدولة الخليجية، والمملكة العربية السعودية بالذات، التي تفضل دائما التكتم على الخلافات، وعدم اظهارها في العلن، وفي وسائل الاعلام.

خطبة الشيخ هليل النارية وتحذيراته للدول الخليجية من انهيار الأردن اعطيا ثمارهما بسرعة وفي زمن قياسي فالأنباء التي ترددت بالأمس (الاحد) أي بعد اقل من يومين من هذه الخطبة التي وصفت بالنارية، افادت نقلا عن مصادر سعودية، ان العاصمة الأردنية عمان ستستضيف في أواخر آذار/مارس المقبل قمة اردنية - سعودية، بين العاهلين السعودي والأردني، وقبل يومين من انعقاد القمة العربية، يجري خلالها بحث العديد من القضايا السياسية والاقتصادية وتعزيز اطر التعاون المشترك بين البلدين في مختلف المجالات، وكذلك اطلاق مشاريع مشتركة منبثقة عن صندوق الاستثمار الأردني السعودي، ونحن ننقل هنا عن صحيفة “الرأي” الأردنية شبه الرسمية.

ما قاله الشيخ هليل في العلن، هو ما يتردد في معظم المجالس والديوانيات والمقاهي الأردنية، وعلى لسان مسؤولين حاليين او سابقين، والخلاف ربما في طريقة الطرح، وليس في مضمونه، والأردن يمر بأزمات مالية، ويعتب المسؤولون فيه على اشقائه في الخليج الذين لم يهرعوا لمساعدته، وهو الذي قدم لهم الكثير من الخدمات الأمنية والسياسية، ووقف الى جانبهم في جميع ازماتهم، وتحلى بأكبر قدر من ضبط النفس وكل قيم الادب، وكظم غيظه، ولم يفعل ما فعله آخرون، وهذا يحسب له، وليس عليه.

الشيخ هليل اجتهد عندما قال ما قاله من فوق منبر مسجد الملك حسين بن طلال، ولا نعرف عما اذا كان هذا الاجتهاد شخصيا او موحى به من جهات عليا، واي كان الحال، فانه اعطى ثماره، واوصل الرسالة، بغض النظر عن الخلافات حول مضمونها وطريقة القائها، الى الجهات المعنية بشكل سريع ومؤثر.

عبد الباري عطوان

رئيس تحرير ومؤسس صحيفة "راي اليوم" الالكترونية
محلل سياسي وكاتب عربي

المصدر: أوكرانيا بالعربية

ترحب "أوكرانيا بالعربية" بالنقاش الحيوي والنقد البناء، وكي لا نضطر في موقع أوكرانيا بالعربية إلى مراجعة التعليقات قبل نشرها. ننصحك بمراجعة إرشادات الاستخدام للتعرف عليها جيداً. وللعلم فان جميع مشاركاتك يمكن استخدامها، مع اسمك وصورتك، استنادا إلىسياسة الخصوصية بما يتوافق معشروط استخدام الموقع.
الآراء الواردة أدناه لا تعبر عن رأي أوكرانيا بالعربية، بل تعبر عن وجهات نظر أصحابها فقط



شريك الأخبار

Loading...

تواصلوا معنا على شبكة الفيسبوك

شريك الأخبار